8519010
Replica louis vuittn replica handbags affluence items tend to commonly be actual top in demand. In fact, the amount of humans that replica louis vuitton crave for these items has added absolutely considerably. Today, humans wish to replica watches accept the best of everything, but don consistently accept the money for replica watches it. Murakami`s Cherry Blossom arrangement of animated animation faces breitling replica and blush and replica louis vuittn chicken flowers aswell replica watches succeeded in bringing boyhood to the table and bringing added action to Louis Vuitton handbags. LV food replica watches in Moscow, Russia and in New Delhi, India opened, while the Utah and Suhali collections were replica watches uk aswell released. The 20th ceremony of the LV Cup was aswell commemorated.
 
من هو جلال آل أحمـد
عدد مرات القراءة:1684

أدب وأدباء

من هو جلال آل أحمد

بقلم: عبد الجبار الرفاعي

ولد محمد حسين حسيني طالقاني، والذي اشتهر بـ (جلال آل أحمد) في 1/12/1923 في طهران، لعائلة محافظة، إذ كان والده رجل دين ناشطاً في الحقل الاجتماعي، ويتولى إدارة مكاتب شريعة للأحوال الشخصية، ويؤم المصلين في بعض مساجد طهران، إلا أن الأب سرعان ما فقد مواقعه في هذه المكاتب عندما رفض الرضوخ لقرارات وزارة العدل بالإشراف على أنشطة مكاتب الأحوال الشخصية وتوجيه عملها، وفضّل الاقتصار على شيء من نشاطه الديني الاجتماعي في التبليغ والدعوة.

لقد تعذر على جلال أن يواصل دراسته بشكل عادي، بعد أن أنهى المرحلة الابتدائية إثر تدهور الحالة المعاشية لأسرته، وخشية والده من التعليم الحديث ورغبته في تواصل أبنائه مع التعليم الديني التقليدي للآباء، لذا قرر جلال الانخراط خفية في دراسة مسائية، ليكمل تعليمه الإعدادي في مدرسة (دار الفنون) الشهيرة في طهران، بالرغم من انشغاله نهاراً بأعمال حرفية في السوق بغية تأمين متطلبات العيش.

وعندما بلغ العشرين أرسله أبوه ليدرس في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، غير أنه ما لبث أن غادر النجف بعد فترة وجيزة لا تتجاوز ثلاثة أشهر ويبدو أنه ضاق ذرعاً بنمط التعليم التقليدي وطبيعة الكتب المتعارفة في المدارس الدينية، وأسلوب التدريس، وهو ما يومئ إليه وصفه لذلك النمط من التعليم في فترة لاحقة بأنه تحول إلى متحف لتخريج المومياءات المحنطة.

وكان يروم الذهاب من النجف إلى لبنان للالتحاق بالجامعة الأمريكية في بيروت، لولا أن السبل لم تكن ممهدة لسفره، فأقفل راجعاً إلى طهران والتحق بالمعهد العالي لإعداد المعلمين وتخرج منه سنة 1949، ونال درجة الماجستير في الأدب الفارسي من جامعة طهران على أطروحة تناول فيها قصص (ألف ليلة وليلة).

وفي سنة 1944 انخرط في حزب توده (الحزب الشيوعي الإيراني) وسرعان ما تقدم موقعه في السلم الحزبي حتى أمسى بعد أعوام محدودة عضواً قيادياً في توده ومشرفاً على النشاط الإعلامي والثقافي للحزب.

إلا أن عدم استقلالية حزب توده وارتباطه العضوي بسياسات ستالين وخضوعه لإرادة موسكو وافتقاره للديمقراطية الداخلية أفزع جلال وأفضى به إلى الانشقاق عن الحزب سنة 1947 بصحبة جماعة تزعمهم (خليل ملكي)، ومن الطريف أن إذاعة موسكو هاجمتهم ووصفتهم بالخونة فسئم جلال العمل السياسي وانسحب بهدوء بعيداً عن صخب التجارب الحزبية، وملابسات حياتها الداخلية.

واقترن عام 1949  بالقاصة المعروفة (سيمين دانشور) بعد أن تعرف عليها في رحلة بالسيارة إلى شيراز.

وفي آيار 1951 أسس خليل ملكي ومظفر بقائي كرماني (حزب كادحي الشعب الإيراني) فالتحق بهما جلال لكن هذا الحزب انهار بعد مدة قصيرة في عام 1952.

ومرة أخرى أسس خليل ملكي بالتعاون مع جلال حزباً جديداً سموه (القوة الثالثة) وهو حركة ذات نزعة تهتم بمشكلات التخلف وقضايا التنمية والتحديث في العالم الثالث.

لكن انقلاب عام 1953 الذي أطاح بمحمد مصدق، وقوض عملية تأميم البترول، ثم هيمنة الشركات الغربية على البترول من جديد، قاد آل أحمد ومجموعة من المستنيرين لمغادرة مواقعهم السياسية والانخراط في مشاغل أدبية وثقافية وفكرية تنأى عن متاعب السياسة وشجونها.

ومن  المؤكد أن تلك التجارب الحياتية والتقلبات السياسية المتنوعة تظل ترفد حياة آل أحمد باستمرار، وتساهم في توجيه حياته وتحديد اختياراته الثقافية والعملية ويتواصل تأثرها على مواقفه الفكرية في السنوات التالية.

ويمكن العثور على عناصر أخرى بجوار تلك التجارب، كانت تمثل مناهل أساسية في تكوين وعي جلال، وبناء تفكيره، والتحكم في اتجاهاته فيما بعد، ومن أهم هذه المناهل الكتاب والأدباء والمثقفون والمفكرون الأوائل، طليعة ذلك قراءاته لآراء أحمد كسروي، الذي اشتهر بنزوعه القومي ومؤلفاته المناهضة للتراث، ونقده العنيف للفكر الديني وعلاقة آل أحمد بالقاص الشهير صادق هدايت، ورائد الشعر الحديث بالفارسية( نيما يوشج) والناشط السياسي( خليل ملكي).

فقد كانت آراء كسروي باعثاً لتمرده على بيئته الدينية المحافظة وطلاقه مع عوالمها، بينما استلهم من صادق هدايت تكنيك السرد الحديث في الكتابة القصصية، أما خليل ملكي فأوقد في وجدانه روح الكفاح السياسي.

ومما لا شك فيه أن طبيعة شخصية آل أحمد واستعداداته ليست بعيدة عن تنويعات المواقف والأفكار التي غرقت في فضائها، ذلك أن جلال اتسم بمزاج قلق، مضطرب، متطرف، يكتنفه تطلع وطموح متوثب وجدية وحيوية وضراوة وحساسية مرهفة.

·      وباء التغرب أو الإصابة بالتغرب أو نزعة التغريب:

طبعت وعي آل أحمد هواجس أضرابه في عالمنا، هذه الهواجس التي كان يفجرها على الدوام، انشطار وعيهم حيال رهانات الهوية والماضي من جهة والعصر وتحدياته من جهة أخرى، مضافاً إلى الاستفهامات الملتبسة للنهضة والتحديث وجدل التراث والوافد وسطوة التكنولوجيا الغربية، وتغلغلها في كافة المجالات وإزاحتها لمكونات الاجتماع التقليدي وقيمه الموروثة، واستبدالها بالتدريج بقيم تحكي روح الحضارة الغربية وتجسد مفاهيم ومقولات تخترق بنية هذه المجتمعات وتسود في حياتها على شكل ظواهر حضارية وثقافية واجتماعية واقتصادية.

لقد شعر آل أحمد بعمق تلك التحولات ورصد آثارها في الحاضر، وحاول أن يستشرف مآلها ونتائجها، ليدرك أن مجتمعه يجتاحه إعصار إذا لم تسخر كل الطاقات لمقاومته فإنه سيعصف بمرتكزات هذا المجتمع ويطيح بمقومات وجود ويمسخه فيحيله إلى كائن مشوه.

وأطلق جلال على عملية الاجتياح هذه (غرب زدكي) وهو مصطلح مشبع بدلالات سلبية بل دلالات هجائية لكل ما هو غربي، ويوازيه بالعربية (وباء التغريب) أو الإصابة بالتغرب أو التسمم بالغرب، أو نزعة التغريب، وغير ذلك.

ويبدو أن الدكتور أحمد فرديد هو أول من نحت مصطلح (غرب زدكي) بالفارسية ويوصف فرديد بأنه مفكر عميق لكنه صامت، وإذا تكلم فهو مبهم ولا يدون أفكاره ولذلك يعرف بـ (الفيلسوف الشفاهي) وقد كان له دور رائد في تعليم الفلسفة الألمانية في إيران واعتناق آراء هايدغر، وتشغيل بعض مقولاته في المجال التداولي الإيراني، وعرف عنه تطبيقاته لنظريات هايدغر في دراسة الحضارة الغربية وآثارها السلبية خارج محيطها الخاص، فمثلما يعتد هايدغر بأن كل حقبة من حقب التاريخ تختص بسيادة حقيقة معينة تطغى على بقية الحقائق، فيما تقذف بما سواها إلى الهامش، يعتقد فرديد أيضاً أن الغربيين أضاعوا الله واستبدلوه بإله آخر هو النفس المادية، أو النفس الأمارة بالسوء، كما يؤكد أن للبشر ثلاثة أبعاد، الأول علمي والثاني فلسفي، والثالث معنوي، ومع أن الأول والثاني احتلا مساحة واسعة في السنن الفكرية الغربية لكن الثالث ظل غائباً وباهتاً بشكل فاضح.

ولذلك يحذر أحمد فرديد من مخاطر شيوع حضارة الغرب في عالمنا ويدعو إلى تجاوز التغريب ومخاطره باكتشاف ذات الغرب أي أن نكون غربيين لا بمعنى الاغتراب عن الذات وإنما بمعنى المعرفة الدقيقة بالغرب والنفوذ إلى كنه الفلسفة والأنطولوجيا الغربية لان معرفة الآخر شرط لازم لمعرفة الذات.

وقد أخذ جلال آل أحمد هذا المفهوم الفلسفي من فرديد لكنه صاغه صياغة أيديولوجية وعبأه بأفكاره التي استقى شيئاً منها في المرحلة الماركسية من حياته وهي أفكار تمنح آلات الإنتاج والماكنة دوراً مركزياً في حركة التاريخ، وبناء المجتمعات وفقاً لمعاييرها الخاصة.

يعرف آل أحمد (نزعة التغريب) بأنها مجموعة الأعراض التي تطرأ على حياتنا، في جوانبها الثقافة والحضارية والفكرية من دون أن يكون لها أية جذور في التراث أو أي عمق في التاريخ وبدون أن يكون دخولها تدريجياً يسمح بالاستعداد لها وإنما تداهمنا دفعة واحدة لتقول لنا (أنا هدية الإله إليكم) أو قيل إنها الممهد للإله.

ويعرف آل أحمد بتوجسه الشديد من كل شيء يرمز للغرب وثقافته وبالأخص معطيات التكنولوجيا الغربية فهو يرى أن كل شيء في عالمنا تدنسه الماكنة ويتمكنن وعندما يتمكنن يجري تهشيمه ونسفه.

ولعل مصدر هذا الفزع هو خيبة الأمل المزدوجة من الغرب بقناعة الأمريكي الذي أسقط حكومة الدكتور مصدق، وأطاح بإصلاحاته التي جسدت بعض أحلام جلال آل أحمد والنخبة الإيرانية، وخيبة الأمل من الاتحاد السوفيتي الذي يرمز للماكنة والسلع الغربية أيضاً، وما يلاحظه آل أحمد من قيم وثقافة وافدة يفرضها نمط الماكنة والسلعة الآتية من الغرب وما تمثله الماكنة من مركزية محورية في خلق إشكالية التغريب الحضاري.

كما أن حظر الشاه رضا خان للحجاب وإكراه رجال الدين على خلع العمامة واختصار مكاسب الغرب في أزياء النساء أو قبعة الرجال اختزن في وجدان آل أحمد وغيره من مواطنيه عداءاً كامناً للغرب، ما لبث أن انفجر في نزعات نفي وإقصاء شمولية تلفظ كل ما هو غربي.

وعرض آل أحمد آرائه هذه في دراسة كتبها كتقرير إلى مجلس أهداف الثقافة الإيرانية في وزارة التربية والتعليم سنة 1962 تحت عنوان (غرب زدكي) وباء الغرب أو نزعة التغريب.

وكان المجلس الذي يضم في عضويته عشرة أشخاص بضمنهم (أحمد فريد) قد تداول إمكانية نشر دراسة آل أحمد، غير أنه خلص إلى تعذر النشر بسبب نقده الصريح للنظام وفضح دوره في تلويث الفضاء الثقافي للمجتمع بوباء التغرب.

من هنا أثار كتاب (نزعة التغريب) عند صدوره ضجة واسعة بين النخبة في إيران وما لبث هذا الكتاب أن أضحى بعد سنوات من أخطر النصوص لتعبئة الجماهير وتجييش وتعبئة المجتمع ضد سياسات الشاه المتحالفة مع الغرب.

يكتب الناقد رضا براهني- في بيان أثر هذا الكتاب (نزعة التغريب) لآل أحمد كان له من حيث تحديد واجبات البلدان المستعمرة حيال الاستعمار نفس الدور والأهمية التي كانت للبيان الشيوعي لماركس وانجلز في تحديد مهمة البرولتاريا إزاء الرأسمالية والبرجوازية، وكتاب (معذبو الأرض) لفرانتز فانون، في تعيين ما يجب على الشعوب الأفريقية فعله قبال الاستعمار الأجنبي، إن نزعة التغريب أو رسالة شرقية ترسم موقف وضع الشرق مقابل الغرب المستعمر، وربما كانت الرسالة الإيرانية الأولى التي اكتسبت قيمة اجتماعية على مستوى عالمي.

لعل هذا التقييم ينطوي على مبالغة في بيان أهمية كتاب آل أحمد، ولكن وبغض النظر عن القيمة العلمية للكتاب فإنه عمل سجالي مشبوب بالإثارة والنقد الأيديولوجي للغرب، إنه خطاب تعبوي، وهو أقرب إلى الشعر المنثور منه إلى الدراسة الموضوعية، وفي ذلك تكمن أهميته في تحريض الجماهير وترسيخ عدائها لكل ما هو غربي وهو عداء عمل على تثوير الشعب الإيراني، إلا أنه بدأ يضمحل في السنوات الأخيرة عند النخبة الإيرانية التي راحت تنشد صورة بديلة للغرب، صورة تستبعد الرؤية الخطأ التي تحسب تماماً مكاسب الحضارة الغربية ومعارفها، ليست سوى ماكنة، ثم تهاجم بعنف تلك الماكنة، وتكيل لها ألوان التهم من دون تمييز الأبعاد المتنوعة للغرب الحديث، وكأن الغرب هو ماكنة وحسب، بينما تتجاهل ما أنجزه الغرب من علوم طبيعية وعلوم بحتة وعلوم إنسانية وآداب وفنون.. وغير ذلك.

ولا يصح اختزال أية حضارة في بعد واحد، أما الخلط العشوائي بين العلم والتكنولوجيا الغربية من جهة والوجه الاستعماري للغرب فهو بحاجة إلى مراجعة وتحليل نقدي يحررنا من الرؤيا الإطلاقية الشمولية غير الموضوعية.

إن خطاب آل أحمد حيال (المكننة) وأثرها التغريبي في الشرق ودورها في استئصال صورة الحياة التقليدية وتدنيسها طهرانية عالمنا ظل هذا الخطاب محكوماً بعقدة (المكننة) في غير واحد من كتاباته الأخرى لا سيما كتابه الأثير الذي نقد فيه النخبة ووسم موقفهم بالخيانة حسبما يشي عنوانه (المستنيرون خدمات وخيانات).

بل تغلغلت هذه العقدة حتى في كتابه (قشة في الميقات) أيضاً، ذلك أن كل شيء يسير إلى الغرب وسلعه وعوالمه صار يستفزه بحيث تصبح المصابيح وأضواؤها الساطعة في المشاهد المشرفة شيئاً مثيراً لمشاعره لأن تلك المصابيح المصنوعة والمصممة على طراز غربي تدنس الفضاء النقي الطاهر حسب رأيه.

باشر بالتأليف في مكة المكرمة وجاور البيت الحرام لسنوات ريثما ينجز كتابه ثم ثانية في بلد آخر.

وظل البيت الحرام على الدوام مصدر إلهام للكتاب والمؤلفين الذين تشرفوا بالطواف في رحابه الطاهرة، وفي العصر الحديث وفد إلى الديار المقدسة  بمعية أفواج الحجاج والمعتمرين ، الكثير من الصحفيين والأدباء والمفكرين، واهتم جماعة منهم بتدوين رحلته والإفصاح عن تجاربه الروحية ووصف المناسك والمراسم، والأماكن والأسواق وطبيعة تقاليد وطبائع مواطني البلدان الإسلامية الذين التقاهم، ومن الواضح أن هذا الكم من أدب الرحلة إلى الحج يتفاوت في أهميته الثقافية وقيمته الأدبية وقدرته على رصد التفاصيل الدقيقة والوقائع الهامة في هذه الرحلة، لأن ذلك يرتبط بموهبة الكاتب وإمكاناته الإبداعية ونمط خبراته السابقة ومستوى ثقافته وامتداداتها الأفقية والرأسي وقتئذ لأن آل أحمد كان مواظباً على مطالعة الصحف اليومية في الديار المقدسة وربما استقاها أيضاً من أسئلته المتنوعة للأشخاص الذين يلتقيهم حين يستقل وسائط النقل أو يتجول في الأسواق أو أثناء أداء المناسك وزيارة المشاهد المشرفة.

وقد ظل يواظب على تسجيل ملاحظاته في دفتر يصطحبه حيثما كان في محل الإقامة وفي السيارة وفي المناسك وحتى في مواطن الانتظار كالمطار وغيره.

ولم يتوان جلال في كتابة مذكراته إلى حين عودته مثلما فعل غير واحد من الحجاج ممن كتبوا مذكراتهم بعد عودتهم إلى مواطنهم، وإنما حرص على تسجيل ما يعاينه مباشرة، كانت كتابة آنية يسترق دائماً لحظات فيخلوا بها ويعكف على تعزيز يومياته الإضافة إليها في كل مرة يلفت نظره فيها موقف يستحق الذكر، فمثلاً تتمدد كتابته في بعض الأيام بحسب زحمة حركته ووفرة لقاءاته أو تتقلص عندما يضطر للمكوث في المسكن ولا يلتقي الآخرين.

تنصف رحلة آل أحمد إلى البيت الحرام في النصوص الأدبية الفريدة المدونة باللغة الفارسية في العصر الحديث فإن نصه يوظف الموروث الحكائي والفلكلور والسخرية ويبدع في صياغة نموذج مميز للسرد.

ويذهب بعض النقاد إلى أن أسلوب جلال طور الأدب الفارسي لأنه يصوغ عباراته ببيان يمزج فيه بين اللهجة الدارجة واللغة الفصيحة، وتتشكل نصوصه من جمل قصيرة وأحيانا لا تحتوي الجملة التي يصوغها على فعل في تركيبها، ومع ذلك تعبر عن معناها بوضوح.

وربما كانت جزالة بيانه وشفافية أسلوبه وقدرته الفائقة على الكتابة بلغة السهل الممتنع من العوامل الرئيسية لاشتهار آثاره وشدة إقبال القراء عليها ووفرة المطبوع منها.

وقد حاول بعض الأدباء تقليده واستعارة تقنياته في السرد ومحاكاته فيما كتب بنحو بات أسلوب آل أحمد أحد النماذج الشهيرة في الأدب الفارسي الحديث.

وقد تجلى هذا الأسلوب كأروع ما يتجلى في (قشة في الميقات) باعتباره من النصوص الأخيرة التي كتبها جلال قبل وفاته بسنوات، مضافاً إلى أنه كتبها في ظروف خاصة مر خلالها بحالات قبض وبسط روحي ولحظات انفعال وتوتر وضراوة ولحظات استرخاء وهدوء وانشراح، كل حالة ولحظة من تلك الحالات واللحظات تثير لديه شتى الهواجس وتستدعي في وجدانه مختلف الإيحاءات والصور، وإلى ذلك يعود تميز أسلوبه وفرادته في هذه الرحلة، فهو يتألق في مواضع عديدة فيرتقي إلى الشعر المنثور أو قصيدة النثر حسب مصطلح النقد الأدبي اليوم.

يوميات آل أحمد تأملات في استجلاء الأبعاد التربوية لعبادة الحج واستيحاء فلسفة كل واحد من المناسك، كما فعل بعض الذين كتبوا عن الحج، لأن آل أحمد أراد لمذكراته أن تتدفق بعفوية وتجري بتلقائية لا تتقيد بالرسميات وحدود مسبقة، بل تواكب حركة الحاج وأحداث الرحلة اليومية الشديدة الغنى والتنوع، فهي تضم رؤى انثربولوجية ورصد ظواهر اقتصادية وتحليلات سياسية وطرائف أدبية ونقداً ساخراً ومعلومات تاريخية وجغرافية.. وغير ذلك.

لكن رحلة آل أحمد توهجت فيها ومضات تحدثت عن فلسفة لبعض المناسك كشذرات رصعت عباراته خاصة في المواضع التي كان يكتب فيها مذكراته في الأيام التي أمضاها في بقاع المناسك في عرفات، والمشعر الحرام، ومنى، أو أثناء أداء الطواف في البيت الحرام والسعي بين الصفا والمروة.

ولا أريد أن أبالغ لو قلت: على الرغم من مطالعتي لمجموعة من رحلات الحج المعروفة وتشرفي بأداء الحج والعمرة عدة مرات فإني وجدت نفسي مع (قشة في الميقات) أنبسط حيث ينبسط جلال وأنقبض حيث ينقبض وأعيش في خيالي حالاته وأحاسيسه في السعي والطواف وكأني أواكبه في خطواته وأتماهى مع مشاعره فأرى ما يرى وأرتشف ما يرتشف وأتحسس خطواته وأستمع إلى ابتهالاته واستغاثاته وأذكاره، وعندما كنت أقرأ حالاته أتعطش بوجد وشوق إلى البيت الحرام والمناسك المقدسة وأتمنى أن أتمثل تلك الحالات والابتهالات بل أتمنى أن يطالع الحجاج والمعتمرون رحلة آل أحمد لينفتحوا على ما تختزنه المناسك من منابع للإلهام الروحي والتربوي، وليغدو الحج مناسبة استثنائية لإعادة بناء الشخصية المسلمة وإعدادها أخلاقياً ومعنوياً لتجسيد رسالة الإسلام في الحياة وبالتالي تجسيد التسامح وقبول الآخر والأمن والسلام.

لقد كان الدكتور علي شريعتي- شديد الإعجاب برحلة جلال هذه وكان يأمل أن يرافقه مرة أخرى إلى الحج سنة 1969 لكن آل أحمد التحق بالرفيق الأعلى قبل أن تتحقق أمنية صديقه شريعتي، وعندما ذهب الأخير للحج في ذلك العام كان يقول: (إن أطياف آل أحمد ما لبثت ترافقني في كل مكان كنا نؤدي المناسك معاً، لكن لا أدري لماذا وجدته في السعي أكثر حضوراً من أي مكان آخر، إن أشعة حضوره ظلت ساطعة كنت أسمع صوت أقدامه كان يهرول مسرعاً، كنت أتحسس زفير أنفاسه كزفير أنفاس عاشق، كنت أهرول مع جموع الناس غير  أني كنت أعانقه حيثما أذهب، ما انفك يهرول معي، أراه كالصخرة المتدحرجة من جبل الصفا، هكذا اندمج مع البشر، كنت أسمعه وأراه كالحلاج حينما كان يضرب رأسه بعامود الأسمنت وهو يصرخ بالناس: إنما ضربه لصلابته وعصيانه، لماذا رأيته في السعي أكثر من أي مشعر آخر؟ لأنه تفاعل في حجه بالسعي أشد من أي منسك سواه، هكذا قرأته في رحلته إلى الحج، أظن أن عمره يشبه السعي، كان كالعطشان يلهث وراء الماء لإسماعيل الظامئ في الصحراء، كان عدوه في الصحراء بمثابة السعي..

كتب آل أحمد يوم السبت الموافق 18/4/1964 في يومياته، وصفاً للسعي بين الصفا والمروة وهو يؤدي هذا النسك قائلاً: (إن ذوبان الفرد في الجماعة أتراه أقصى غايات التجمع الغفير وهذه الرحلة؟ عشرة آلاف إنسان وربما عشرون ألفاً يمارسون شعيرة واحدة في آن واحد هل يمكنك أن تفكر بنفسك وسط هذا الانعتاق الجماعي الهائل فتعمل شيئاً بمفردك؟ التيار يجتاحك ويأخذك أخذاً وبيلا، هل حدث أن كنت وسط جماعة من الناس مذعورة، وهي تهرب من شيء ما؟ ضع كلمة (منعتقة) مكان كلمة (مذعورة) في الجملة السابقة، وضع (حائرة) بدل (تهرب) أو ضع مكانها كلمة (لائذ) أنت مسلوب الإرادة مئة بالمئة وسط هذا البحر العاصف من البشر، تنسلخ كلمة (الفرد) هناك عن كل معانيها ومدلولاتها ولا يبقى فارق بين الألفين والعشرة آلاف.. ووجدتني لا أستطيع المواصلة، أجهشت بالبكاء وهربت وعن لي أن البسطامي أخطأ؟ فاحشاً، إذا لم يلق نفسه تحت أرجع هؤلاء السعاة، أو على الأقل أن يلقي أنانيته تحت أقدامهم، حتى الطواف لا يثير مثل هذه المشاعر والهياج الروحي.

ثم يقارن جلال بين تجليات الروح حالة السعي والطواف وما يمكن أن يستلهمه الإنسان من ممارسة كل واحدة من هاتين الشعيرتين، فيكتب (في الطواف حول البيت تسير مع الناس بأكتاف متلاصقة باتجاه ما، تدور معهم حول شيء معين، أي أن ثمة هدفاً فيه ونظاماً، وأنت نقطة في دائرة عظيمة تجول حول مركزها، فأنت إذن متصل بمنظومة معينة ولست منعتقاً متروكاً لحالك، والأهم من ذلك أنك لا تواجه أحداً هناك، تلاصق عواتق الآخرين ولا تنظر في وجوههم فلا تبصر الانعتاق والهيام إلا في التدافع والتلاحم أو تسمعه مما تله جبه الألسنة، لكنك في السعي تذهب وتجيء حائراً كحيرة هاجر، ليس ثمة هدف أو وجهة.. الحاج عند السعي يختزل إلى قدمين وعينين ذاهلة، ساهمة، تهرب من نفسها وتهيم هنا وهناك ، العيون يومئذ ليست عيوناً إنها ضمائر عارية أو هي ضمائر جلست على أعتاب العيون تنظر أوامر الفرار،وهل يتسنى النظر في هذه العيون لأكثر من ثانية؟ كنت أظن – إلى اليوم- أنه لا يمكن التحديق في الشمس فقط لكنني اكتشفت الآن تعذر ذلك مع بحر العيون الساعية أيضاً، ولذت بالفرار بعد شوطين فقط من الذهاب والإياب يتجلى لك بكل وضوح أية لا نهاية صنعتها من هذا الصفر، وحينما تكون متفائلاً وقد شرعت لتوك، وإلا سترى نفسك أقل حتى من الصفر حيال هذه اللانهاية، كقشة في البحر، بحر من البشر، بل ذرة هباء في الفضاء، ويردف آل أحمد موضحاً ما استولى عليه من ذهول وتوتر وانفعال في المسعى، أقول بصراحة: شعرت كأني أقترب من الجنون، لفني شوق عارم أن أرطم رأسي بأول عامود أسمنتي وأفجره، لا أطيق السعي إلا إذا كنت مكفوف البصر.

انتخبنا هذا النموذج من كتاب جلال ليطلع القارئ على أسلوبه في تحليل مناسك الحج واستجلاء فلسفة هذه العبادة التي تؤديها أفواج غفيرة من المسلمين كل عام باختلاف أعراقهم ولغاتهم وبلدانهم لكنهم يتوحدون في أداء المناسك.

ومع أن آل أحمد لم يتوسع في الحديث عن الآثار المعنوية والأخلاقية للحج، غير أنه بث مجموعة أفكار هامة في سياق حديثه عن الأيام التي أمضاها في عرفات والمشعر الحرام ومنى، كذلك اهتم بوصف حالته وحالات من صحبهم من الحجاج الذين التقاهم حال أداء المناسك واطلع على أشواقهم الروحية ومواجيدهم وابتهالاتهم.

ولا يبدو آل أحمد متفائلاً بسبب عدم استيعاب الكثير من الحجاج للأبعاد العميقة لهذه التجربة الروحية ذلك أن الأمية والجهل وقتئذ لدى أعداد كثيرة من الحجاج وعدم توفرهم على ثقافة شرعية مناسبة، واستغراقهم في الإطار الشكلي للطقوس حجبهم عن وعي أهداف المناسك وإدراك مقاصد الحج، واستلهام الآثار التربوية الهامة للمشاعر المشرفة.

·      إشكالية العنوان:

تبرز براعة آل أحمد وموهبته البيانية في قدرته الفائقة على ابتكار عناوين فريدة لكتبه بحيث تغدو هذه العناوين بعد ذيوع الكتب التي تحملها في مرحلة لاحقة وكأنها لافتات فكرية وأيديولوجية وهو ما نلاحظه بجلاء في كتابه (غرب زد كي) (نزعة التغريب) فإنه ما برح هذا العنوان أن تحول إلى مصطلح واسع التداول في الأدبيات المدونة بالفارسية بعد صدور كتاب جلال.

وكعادته انتخب عنواناً أثيراً ليومياته التي دونها في رحلته إلى الحج فوسمها بـ (خسي در ميقات) و (خس) كما في معجم اللغة الفارسية تعني (تين، أو علف جاف، أو شوكة، أو نتفة تافهة من الخشب أو حشائش جافة مضمحلة وتستخدم مجازاً بمعنى حقير، ووضيع).

أما الياء في (خسي) فهي للتنكير، تنكير الاسم وإخراجه من كونه معرفة إلى معنى شائع في جسن كما في (رجل).

وبعد مطالعة الكتاب وجدنا آل أحمد يشير بكلمة (خسي) في عنوان كتابه إلى حالة اضمحلال وتلاشي (الأنا) وذوبانها حال أداء المناسك، كما صرح بذلك في مواضع متعددة من مذكراته، فوقع اختيارنا على كلمة (قشة) العربية وهي كلمة تتضمن المعنى الموازي لكلمة (خسي) الفارسية، مضافاً إلى أنها تتضمن المداليل التي تفصح عنها يوميات جلال.

ولا نعلم لو كان المؤلف حياً هل يوافقنا على هذا العنوان بالعربية، لكننا نحسب أن (قشة في الميقات) عنوان غير مستهلك لأنه يستخدم للمرة الأولى في تسمية كتاب في أدب الرحلة إلى الحج، وربما في عناوين الكتب العربية، ولعل ذلك يرضي آل أحمد وهو الأديب المعروف بالنفور من العناوين المكررة المبتذلة.

إن رحلة جلال إلى الحج تظل في ذروة الآثار المدونة باللغة الفارسية في هذا الحقل، وهي تتوافر على الكثير مما يتسم به نص آل أحمد حسب وصف زوجته الدكتورة سمين دانشور- من أنه نص (مشبوب، دقيق، ثاقب، ناقم، متطرف، عنيف، صريح، حميم، تنزيهي، مثير، مكثف بصورة برقيات) ومقارب لذلك وصف الدكتور علي شريعتي- بأنه نص (حاد، موجز، ساخر، صريح، إنساني، عفوي، جريء، عميق، فاضح، متين، جزمي، أحادي، تقريري).

وهي خصائص ربما تبدو متنافرة لكن نجد معظمها في كتاب (قشة في الميقات) ولذلك فإن عباراته التي صاغها على شكل برقيات وجملاته الموجزة المكثفة قد تبدو مفككة عند نقلها إلى اللغة العربية لكن حرصت الترجمة على إشباعها بأدوات الربط ليظهر النص منسجماً متماسكاً.

 

 

طباعة
أرسل لصديق
احفظ المقال
برامج التواصل الاجتماعي المتجددة والمتطورة ساهمت في إضعاف العلاقات الاجتماعية لا تقويتها.
 
أرسل تعليقك: ما هو عنوان الكتاب الذي قرأته لأكثر من مرة؟
 
قرأت لك: كتاب (قواعد العشق الأربعون) جلال الدين الرومي
 
أدب وأدباء: الشاعر محمد مهدي الجواهري
 
مذكرات امرأة من كوكب الحكمة: أردت رجلاً من زمن الفرسان
 
البيت السعيـد: ( هـوس الرشاقـة - كيف تعاملين الزوج العصبي - ســميــرة وســنــة أولـى روضـــة - لا تكوني فضوليـة)
 
مقالة للأديبة بجريدة الراي: معرض الكتاب وتجربة الكتّاب الحديثة
 
مقالة للأديبة بجريدة الراي: ثقافة الوحدة في الإسلام
 
 
Hardtask