5410844
 
((هيمنجواي)).. الأديب المحارب
عدد مرات القراءة:537
ضخم فخم، وهب بسطة في الفكر والجسم؛ أما السمات والخُلق: فوفرة في الرجولة، ونضرة في الفحولة، وفورة في الانفعالات والمشاعر وعزة النفس. فكان مُحبا للمغامرة، شغوفا بالمسامرة، دائم الترحال والسفر، لا يتخلى عن سلاحه وبندقيته، ولا تتخلى عنه شجاعته وأنفته. كان فريد عصره في طبعه، عزيز قومه في أدبه، إذا تحدث أسمع، وإذا تخيل أبدع، وإذا ما كتب أمتع، وإذا ما دعى إلى معروف أجاب. وقد نعجب إذ نعلم أن هذا الأديب الملاكم العملاق- جسما وحظا وفنا- كان يجمع بين متناقضين ظاهرين: قوة الإحساس مع قوة التخيل فالإبداع في أوقات، وقوة التمرد مع قوة التحدي فالخشونة في أوقات أُخر. غير أن حياته الشخصية كانت بحق "رواية" درامية عريضة عميقة، ثرية كثيفة، أراد هو أن يكتب لها كلمة الختام، والأهل نيام. لم يكتبها- كالعادة- بيده، وإنما بطلقتين من بندقية صيد قديمة، ماسورتها المزدوجة من الفضة وقد صُنعت وحيدة من أجله، صوبها نحو جبهته لينهى بها أجله. حدث ذلك في يوم أحد من شهر يوليو سنة 1961. مأساته! نعم؛ خاصة من مؤلف كبير للمأساة: "إزنست ميللر همينجواى".

أمريكي المولد، من ولاية "إداهو" في يوليو 1899. شهرته محليا وعالمية فائقة، كمؤلف للروايات وللقصص القصيرة، حتى للأطفال. وقد جلب لبلده جائزة نوبل في الأدب سنة 1954 بسبب أصغر وأرق وأعذب مؤلفاته: "العجوز والبحر"- 1952.

·       النشأة والتربية

كان الابن الثاني للطبيب د. "كلارنس همينجواى" وللسيدة "جريس هال" التي كانت ترغب أن تكون مغنية أوبرا، ثم اكتنفت بإنجاب الأبناء: "مارسلين" الابنة الكبرى، "إرنست"، ثم "أرسولا"، وبعدها "سوني"، وأخيراً بعد سنوات الشقيق "ليسستر". فكانت الأم تغنى لهم، وتحنو عليهم، وترعاهم حسن الرعاية. أما الأب، فكان ينزع إلى خشونة في رجولة، وقسوة في صحوة، وتأديب بغير ترهيب. وهذا مثال في موقف:

علمه الأب في بواكير صباه أن يكون قوياً: جسما، وخُلقا، وعملا. وأرشده إلى أن القوة مهما تعاظمت لابد لها من ضبط؛ والأخلاق مهما تغايرت يجب ألا تخالف العرف والتقاليد؛ وأن العمل مهما كان بسيطا فلا محيد عن فعله بقصد الفائدة والنفع. وبهذه الثلاث، يحفظ المرء نفسه- ولو كان صبيا- من مخاطر أو مثالب ثلاثة: رعونة التجبر، ودنس الانحراف والزلل، ووصمة الإفساد والسفه. وفي هذا الإطار، كان أبوه يرقبه، ويذكره، ويرعاه.

كان في سن العاشرة عندما أهداه والده أول بندقية، إذ رآه قوى البنية شغوفاً بالصيد. ولما كان بيت الأسرة يطل على غابة مجاورة، فقد فرح الصبي بتلك الهدية، وراح يتجول بها ليتعلم الصيد وتسديد الرمي. كان يقضي في الغابة ساعات طويلة، يختبر شجاعته، ويطارد فريسته، وأدرك مبكراً- كما قال فيما بعد- أن المرء لكي يكون رجلا بحق، عليه ألا يخاف، أبدا لا يخاف من شيء، فليجرب كل شيء، من الصيد إلى الحرب. وقد رأى بعينيه في الغابة، أن الكل يقتل ويقتتل؛ وأن ذا يقتل ليأكل، وهذا يقتل ليغلب، وذلك يقتل خشية أن يُقتل. فلما أخبر أباه بما اكتشف وعلم، أفهمه أن تلك حياة الغابة، حيث تسود بالقوة دوافع الطبائع والحاجة. أما بين الناس فإن قوتهم تحكمها وتنظمها عدالة، وعقول، ومثاليات، وقيم.

ورجع يوما من الغابة يحكى لأبيه- مُفاخرا- أنه قتل ببندقيته خنزيرا وحشيا لأنه جرح كلبه، وأحضره معه إلى البيت. فإذا به يفاجأ بقول أبيه: "أقتلت هذا الخنزير البريء لمجرد أنه أصاب كلبك بجُرح؟ وهل جزاء من يجرح أن يُقتل؟ أي الذنبين أكبر؟ أم أنك قتلته لحاجة ومنفعة؟ إذن.. فلزاما عليك أن تأكله كله" وأصر الوالد، ورضخ الصبي. فظل يشوي، ويعيد شواء لحم الحيوان السمين. ولم يكن مذاقه طيبا، فكان يلوكه على مضض.

هكذا تربى "إرنست" منذ طفولته وصباه. فلما بلغ سن السادسة عشرة تحول في تنمية قوته إلى رياضة الملاكمة، وأقبل على الكتابة والمطالعة.

لكنه لم يتخل عن الصيد، وأحب علوم الرياضيات. ومارس في سنوات الدراسة الثانوية عمل المحرر لمجلة المدرسة الأسبوعية، وكان من عادته أن يزين بخياله صياغة أي حدث، ويوسع فيه أو يضفى عليه بعض مشاعره الشبابية. وبدا للجميع أن خياله نشط ومتوهج، يتوافق مع رؤيته النافذة إلى أعماق أي موضوع يتناوله، وأي مشهد يلمحه. كانت "جينات" تأليف الرواية أو القصة تسري في دمه، وتنشط في رأسه وتحت جلده. فترك عشر دولارا في الأسبوع. واستقل بحياته بعيدا عن الأسرة.

·       ميـلاد نجم

أدرك وأحس أنه بحاجة إلى اقتحام آفاق جديدة؛ إلى المغامرة؛ إلى الكتابة عن أحداث حية، عن وقائع نابضة. فرأى أنه لابد من التجوال عبر العالم، ومن معايشة الدماء التي تسيل في صراعات لا تنتهي بين الناس، والشعوب، والدول، لكي يكتب عن الحياة بإيقاعها السائد، وليس من وحي الخيال والأوهات والتصور المصطنع. وفي هذه الفترة التي قضاها في العمل بجريدة "النجم" تعلم أن يكتب بأسلوب خاص به متميز: إيجاز غير مُخِل، ووضوح بلا حشو يلائم المحرر الجيد. وكما قال: "تجنب كثرة استخدام كلمات الصفات الزائدة في الربط والوصل، والحرص على جاذبية العرض، ولا يكون الكاتب سلبياً". وتدرب على الإفاضة في تزيين الكتابة عن أي موضوع، وإجراء الحوارات السريعة الوافية.

حدث ذلك في سنة حاسمة بالنسبة إليه، فاصلة في تاريخ العالم الحديث: إنها سنة 1917 التي استعرت فيها الحرب العالمية الأولى، بكل ما حملت من حماقة وصفاقة ودماء وعداء وقتال وأهوال، بسبب قادة وزعماء وساسة، أطغتهم القوة، وأعمتهم السلطة، وأغواهم نهم التسيد والجشع.

تحرق المحرر الناشئ شوقا إلى السفر لتغطية أخبار تلك الحرب من داخل ساحات المعارك في أوروبا، على الرغم من أنه لم يقض سوى ستة أشهر في العمل بجريدة "النجم". وعارض أبوه تلك الرغبة، وكذلك فعل القادة العسكريون. والسبب: أن نظر "إرنست" ضعيف غير ملائم للخوض في ميادين القتال حيث التراشق بالبنادق، والتهارش عن قرب بحد السلاح، وتكاثف أدخنة القذائف وأتربة الحطام والدمار.

لم يتراجع عن عزمه ولم يذعن. تحرى سبيلا آخر، بالتطوع في هيئة الصليب الأحمر سائقا لسيارة إسعاف لنقل الجرحى والمصابين من المدنيين في المدن والمواقع الحربية. وفي سنة 1918 كان في مدينة "بوردو" في فرنسا، ومنها إلى باريس، ثم إلى ميلانو (إيطاليا)، إلى الجبهة في "بياف"، وهناك ترك العمل كسائق سيارة إسعاف، إلى مساعد- متطوع أيضاً- لتوزيع المؤونة والاحتياجات على الجنود القابعين في الخنادق بالخطوط الأمامية. كان في سن التاسعة عشرة، وعلى استعداد لأداء أي عمل يجعله بطلا.

وأصبح "همينجواى" في سنة 1942 اسما مذكوراً. لكنه أدرك فيما بعد، أنه كان غراً طائشاً مدفوعا بالرغبة المجنونة الرعناء. قال: "كنت غبيا معتوها عندما جريت إلى حرب 14-1918. أذكر أنني كنت أتصور تلك الحرب وكأنها لعبة أو مباراة نحن فيها طرف أو فريق، والنمساويون فريق منافس". لكن الضرب القاضية بالنسبة له، حدثت في منتصف ليلة الثامن من يوليو 1918. كان "إرنست" في تلك الليلة في غاية الإرهاق والتعب بعد أن قضى النهار كله متسللا بين الخنادق تحت وابل من النيران وقد تمزقت ملابسه وهو يوزع الأطعمة على الجنود المرابطين قرب النهر. وعند منتصف الليل انفجرت قذيفة مدفعية معادية فوق الشاطئ. قال: "شاهدنا على الفور وهجا ضخما يندفع، كأنما أبواب فرن هائل، صحبه صوت زئير مهيب مزمجر، وتحول لون الوهج من الأبيض إلى الأحمر". ثم أضاف: "حاولت أن أتنفس، لكني لم أفلح مطلقاً. كانت الأرض تهتز.. تئز.. تشققت. سمعت شخصا يبكي. حاولت أن أتحرك. مستحيل. دوت في أذني أصوات طلقات البنادق تنطلق من الجانب الآخر للنهر".

تصاعد صوت الباكي قريبا منه. لم يتبينه "إرنست" في الظلام. فزحف واجفا ناحية الصوت. رفع الجندي المنتخب، وألقاه فوق ظهرن، وأسرع به –وهو مقوس الظهر- إلى مركز القيادة، وقبل أن يدلف بحمله نحو الداخل، أصابته رصاصة في ركبته اليمنى. فشعر بأنه سيسقط. حاول أن يتماسك. لكنه سقط أرضا. لم يستطع النهوض. ولم يعرف –ولن يعرف مطلقا- ماذا فعل لكي يحمل هذا الجندي، بينما كان هو – دون أن يدري- ينزف غارقا في دمه بسبب اختراق ساقه بمائة وسبع وثلاثين شظية قنبلة، وإصابة قدميه برصاصة في كل منهما. كان أول أمريكي يُصاب في تلك الحرب!

تلقى حفاوة وتكريما. ثم اعتراه روماتيزم، فخضع للعلاج. وأحب الممرضة المعالجة وأحبته. كانت تكبره سنا. لكنها أظهرت قدرا كبيرا من الشجاعة وقوة الإرادة: فقد انصرفت فجأة عنه قبل أن يبادر هو بذلك. وعاد إلى الولايات المتحدة، يحمل ذكريات غرام لم يكتمل، وأول شرارة حب لم تتوهج ولم تنطفئ، ورتبة الملازم، وميدالية فضية تقديرا "لبسالته"! ودُهش عند عودته لاستقباله بحفاوة لم يتوقعها، وترحاب يفيض حماسة – خاصة من النساء والفتيات- أينما حل، وطلبات كثيرة تدعوه لإلقاء محاضرات عن "أعماله الحربية!" التي بقى له منها جرح بطول عشرين سنتيمترا بقدمه اليمنى، فوق ثقب غائر، ومن خلفه ثقب أكبر فوق الركبة، وعرض ظاهر من آثار "المعارك" التي لم يشترك فيها! غير أن مظهره يوحي بذلك: فهو لم يبلغ بعد سن العشرين، ووزنه لم يتجاوز تسعين كيلو جراما، وطوله يزيد عن متر وثمانين سنتيمترا، ويلبس حذاء مقاسه خمسة وأربعون سنتيمترا، فيبدو ضخما قويا متينا لا تنقصه الشجاعة وبسالة الإقدام والاقتحام.. أو الالتحام. ولا شيء يخيفه، ولا الآلام تفزعه. وقديما، عندما كان طفلا، سقط من علو فوق عصا فانغرست في عنقه، فأخرجها أبوه الطبيب بسلام، ومسح الدم المسال وهو يسدي إليه نصيحة مليحة. قال: " إن أصابك مكروه، فحاول أن تصفر أو تغني، فإن هذا يشغلك وينسيك ما يؤلمك". يبدو أنه كان طبيبا.. حكيما!

·       نوابض حياته

هذا كله سوف يلخص حياة "همينجواى".. الإنسان: القوة.. وصلابة الأبوة.. عذوبة صوفية مستقاة من الأم.. نوابض من روابض البيئة والمدينة: لأخشاب وأشجار غابات، لأنهار وشُطآن بحار، لأرصفة طريق وحانات سُمَّار.. أوحال خنادق إيطاليا.. لفح غرام وفراق بغير انتقام.. آثار جرح بالساق ومائة وسبع وثلاثون شظية. إنها علامات لن تُمحى، وشهادات موثقة عن شجاعة جد مكتسبة ونادرا منتحلة، وبطولة متعددة الجوانب سوف تلازمه بقية عمره.

عاش همينجواى الفترة الباريسية من حياته معيشة "أمريكي في باريس" بحق. ونعم بمعرفة وصحبة "فيتزجيرالد" وزوجته "زيلدا" في مرحهما ونجاحهما وسيارتهما المكشوفة السقف! كان ذلك في السنوات التي يُطلق عليها في فرنسا: "سنوات الجنون.. أو المرح والطيش". وفي هذه الفترة السعيدة، بدأت تنمو في ذهن همينجواى على مهل أول رواياته الكبرى: "الشمس أيضاً تُشرق". ولماذا أضاف كلمة "أيضا"؟ هذا الجندي العاجز المكلوم، ينهض واقفا بلا أمل مع طلوع فجر بلا نهاية، بلا مجد، بلا حب، لكي يواصل حياته، وكذلك الشمس "أيضا".. تُشرق يوما بعد يوم، ليتابع العالم مسيرته.

نبعت هذه الرواية من خبرات الحرب، متضافرة مع حصيلة مراقبة مجموعات الأمريكيين الصغيرة التي كانت تعيش في باريس حول سنوات العشرينيات. في تلك الفترة، كان همينجواى يجتاز مرحلة المغامرة ويحيا حياة المغامر، مغتنما وظيفة مراسل حربي في استانبول، حيث كان الأتراك يقاتلون اليونانيين –في سنة 1922- المحتلين لأراضيهم، وأفلحوا في طردهم من الأناضول بقيادة مصطفى كمال أتاتورك (أي: والد الأتراك).

والرواية في سياقها تطرح السؤال: من المذنب في الحروب ومن خاسر القضية؟ من الجاني ومن الضحية؟ ويخلص إلى أن الأطفال اليونانيين- الذين لا يدرون شيئا عن المهزوم والمنتصر- ضحية بريئة.

ربما لأنه في تلك السنة استقبل أول مولد له. كان قد تزوج "هادلي" في السنة السابقة (1921) وهي الزوجة الأولى بين زوجاته الأربع، وأنجبت له طفلا قال عنه: "إنه يعوى كثيرا ويحطم الآذان" عندما كان هو يكتب في الفصل الأخير من: "الشمس أيضا تشرق". ثم افترقا بالطلاق سنة 1927. وتزوج الفرنسية "بولين" محررة ذكية مرموقة بمجلة "فوج" النسائية المشهورة. وفي دفء جوارها كتب رواية: "وداعا للسلاح" -1929. كان في سن الثلاثين. وعلى الجانب الآخر من المحيط، كان أبوه "يصيغ" رواية درامية أخرى، لكنها واقعية تماما.. ومأساوية!

·       أطياف الموت

كان العجوز همينجواى – الأب- كهلا مريضا ضاق بالحياة وتخلى عنه الأحياء. ولما كان هو طبيبا، وفي ضائقة مالية، وقد بلغ من الكبر عتيا، فقد كان مدركا لأخطار مرضه المتفاقم، وعجزه عن اكتساب ما يحل أزمة المال، وسأمه من تنائي الأصدقاء والأهل والعيال، وكرامته على أي حال – وكان يعتد بها- تمنعه من الشكوى أو قبول الهوان. فأحرق أوراقه الخاصة، وصعد إلى غرفته، ثم أغلق الباب بإحكام، وأمسك بمسدس أبيه (جد إرنست) وأطلق رصاصة من وراء أذنه كانت كافية لتهشيم الرأس في الحال. وتلقى "إرنست" الخبر؛ فماذا فعل؟ أبرق إلى أخيه الأصغر-وكان في سن الثالثة عشرة- يقول: "لا تبك عند دفن أبيك". ورفض إظهار الأحزان، أو الحديث عن الفجيعة والانتحار، ولم يصغ لتعليقات الأهل والجيران عن حالة "الاكتئاب" التي كان أبوه يعاني منها في أواخر أيامه.

ومع ذلك، كان هو- إرنست- يعرف وقع تلك الحالة المكتئبة التي مرت به، وكان أحيانا يتحدث عن الانتحار، بدون أن يدري إقدامه هو نفسه على ارتكاب تلك الخطيئة مستقبلا. ولئن كان أبوه فعل ما فعل بعد صراع طويل مع النفس وآلامها وإظلامها، فإن الابن سوف يفعله وهو في قمة الشهرة والراحة والرفعة، بدافع مختلف – كما ذاع بعدها وشاع- هو مخافة أن تغشاه تلك الحالة يوما، فتنهشه حيا وتعذبه. لكنه في تلك الفترة، كان لا يزال قادرا على التأكيد بأنه لا يخاف شيئا.. ولا يرهب الموت، الذي فرضه على آخرين، في رواياته.

فرغ من إتمام روايته بسرعة في فبراير 1929، وهي "وداعا للسلاح"، لكي يسدد ديون الأسرة التي تركها والده، ولمساعدة أمه على المعيشة. وأسعفته القصص القصيرة، فعائدها المالي سريع وإن كان قليلا. فكتب: "رجال بلا نساء"، و "فائز لا ينال شيئا" – 1933، ثم "مكان نظيف جيد الإضاءة"، و "وفاة بعد الظهيرة". وبعد رحلة إلى غابات أفريقيا كتب قصة: "تلال أفريقيا الخضراء" -1935. ثم كتب روايته المعبرة بجلاء عن تصاعد اهتمامه بالمشكلات الاجتماعية، وهي: "من يملك ومن لا يملك" -1937.

تدور أحداث قصته:

"وفاة بعد الظهيرة" حول "الآلة الجبارة" التي تنظم وتدير عالم مصارعة الثيران، وتحصد بها في النهاية الأرباح والأموال، كما تحصد أيضا رءوس الثيران والرجال. كان همينجواى عاشقا لتلك المصارعة الدموية منذ زيارته الأولى لأسبانيا. وعلى الرغم من مجاملة النقاد الزائدة له في الصفح والمجلات الأمريكية للتخفيف من إيقاع وكثافة القصة، إلا أن الحكم عليها لم يكن قاسيا حين قال: "إنها محزنة، معتمة، وعمل رومانسي (عاطفي ملتهب) يرفض الاعتراف بأن الموت هو النهاية، وهو المتمم للحياة".

والموت.. دائما الموت يذكر كثيرا في روايات وقصص همينجواى. فكثيرا ما واجهه، وكثيرا ما اجتذبه، وكثيرا ما أخافه.. فكتب عنه وأكثر، حتى يدفع بعيدا رهبته. وكانت رحلاته إلى أفريقيا، وبرمودا (جزر بالمحيط الأطلسي) تحديا للموت، وفرارا من هواجس التفكير فيه. وفي برمودا أكرم نفسه بهدية حققت واحدا من أجمل أحلام حياته: مركب طوله أحد عشر مترا، بمحركين، ودفتين، اشتراه بسبعة آلاف وخمسمائة دولار سنة 1934. فكان له بمثابة الواحة للراحة. يلتجئ إليه دائما وقت الضيق.

·       في الحرب الأسبانية

ومن خلال جولاته الأفريقية لصيد الضواري والوحوش، كتب رواية: "ثلوج كيليمانجارو". لكن في سنة 1936، وما بعدها، حُرم الروائي الرحال من متابعة أسفاره، إلى حين. فقد عادت الحرب الأهلية الأسبانية تشتعل بضراوة في تلك السنة، وعاد هو إلى ممارسة مهنته القديمة المحفوفة بالمخاطر: مراسلا حربيا صحافياً؛ ثم لبس الزى العسكري، مشاركا بنفسه في القتال.

دفعته كراهيته للفاشستيين الأسبان إلى الوقوف محاربا مع الجمهوريين. لكن هذه الحرب "الضائعة المضيعة" كما وصفها، تركت في نفسه مرارة وندم. فقال صراحة: "إن الشيء الوحيد ذا قيمة في الحرب، هو الانتصار.. وما إن تبدأ حتى توجه مباشرة إلى النصر.. وهذا ما لم نفعله. فلتذهب الحروب إلى الجحيم، فقد قررت أن أكتب.. وكفى".

·       بيت في كوبا

وكتب "لمن يدق الجرس" – 1940. وكما غير رأيه في الحرب، غير أيضا زوجته. فاقترن بالثالثة: "مارتا جيلهورن"، شقراء هيفاء، رقيقة المشاعر طموحة حالمة؛ واستمر في التغيير، فانتقل بزوجته الجديدة للإقامة في كوبا، واشترى بيتا بقرية جنوب العاصمة هافانا، فكان البيت الوحيد الذي امتلكه طوال حياته، وأحبه مثل حبه لمركبه الذي خاض به البحار. غير أنه لم يكن سعيدا في تلك السنوات من الأربعينيات، بعد كل ما فعل وغير وأنجز. فلجأ إلى المغامرة: حول مركبه السياحي الجميل الأليف، إلى سفينة حربية صغيرة مستترة، طوافة تجوب البحار، لتستكشف مواقع الغواصات المعادية، ثم تستدرجها إلى كمين مترصد. لكن الزوجة الشقراء الحسناء لم يعجبها هذا "الكفاح" الساذج، إذ لا قيمة فعلية له وسط بحار ومحيطات تعج وتلج بمئات، بل آلاف السفن الحربية والغواصات من كل حجم ونوع، وأساطيل دول عظمى تتقاتل وتتناحر وتتقاذف وتتفجر وتحترق؟! ولم يستمع "إرنست" جاداً لقولها، ولم تُطق "مارتا" صبرا على كتمان غيظها، فأخذت تسخر من أفكاره وتتهكم، ثم أعلنته بعزمها على السفر إلى انجلترا للعمل هناك مراسلة حربية. فرحلت وتركته وحيدا في كوبا "مستغرقا" في الشراب، الذي صرفه عن "إغراق" الغواصات، وأخمد – شيئا فشيئا- حماسه للكفاح الوطني. وفي ليلة من عام 1943، أفرط في الشراب داخل حانة بالعاصمة هافانا، وفوجئ الحاضرون به يقف مترنحا وهو يصيح في غضب قائلا إنه سيذهب إلى أوروبا للبحث عن زوجته وإعادتها راغمة ولو بضرب الحذاء!

·       إلى الحرب من جديد

 وفي الواقع، كانت فترة إقامته في كوبا منذ سنة 1941 غير مريحة له كما كان يتوقع. ولم تكن مخصبة في الكتابة. وضاق فيها بالوحدة، مخادعا نفسه بأنه "يراقب ويتأمل مسار الحرب". واعتراه اكتئاب وملل. ومع ذلك، كان يملك من الشجاعة وقوة الإرادة، ما جعله يهجر طواعية حانات الشراب، ويعود إلى ارتداء زيه الحربي الأزرق المميز للمراسلين الحربيين.

سافر في حاملة جنود بحرية إلى بحر المانش (سنة 1944) استعدادا لشهود اليوم الفاصل "يوم الحسم" في الحرب العالمية الثانية، يوم نزول قوات الحلفاء سرا، في فجر السادس من يونيو 1944، عند شاطئ نورماندي (شمال فرنسا) بقيادة الجنرال الأمريكي دوايت أيزنهاور (رئيس الجمهورية بعد الحرب) قائد جيوش الحلفاء، لغزو ألمانيا النازية والوصول إلى برلين، وإنهاء الحرب. ومضى همينجواى إلى نورماندي في صحبة الفرق العسكرية التي كانت تحت قيادة الجنرال "باتون". ثم التحق بالفرقة الرابعة مدفعية، واتجه إلى جنوب فرنسا. لم يعد "مراقبا يتأمل الحرب" كما زعم من قبل، بل أصبح الآن مقاتلا مشتركا فيها. وهو بطبعه يهوى الصراع والقتال، كما صرح بذلك: وللصراح عنده – من ممارساته وفي رواياته- أشكال وأنواع: صراع مع الثيران، وصراع مع مصارع الثيران، وصراع مع فرائس الصيد، وصراح مع ضواري الغابات، وصراع الإنسان مع الإنسان.. ومع الطغيان.. ومع الحياة.

وانضم إلى الجيش المتجه إلى باريس. ولم يجد معارضة لانضمامه من القادة العسكريين، فهو لطيف المعشر، سريع المصادقة، والأهم من ذلك: كان يملك زمام نفسه، ويمتلك إحساساً قوياً بمعنى الحرب، فيعرف جيداً الطاعة والانضباط في أجواء المعارك، والحصول على المعلومات الضرورية عند الحاجة، وكيف يحسن العمل عند سقوط قذائف، أو انفجار قنابل، وعند إصابة أو موت الجنود.

وفي باريس، يلتقي بزوجته الرابعة: "ماري ولش"، صحافية أمريكية، متخصصة في الاقتصاد والسياسة. ثم يعود إلى الترحال والسفر: بلجيكا، ثم ألمانيا، وخط "سيجفريد". إنه يستكمل أسطورته، ويعيشها يوما بيوم، ويملأ بالخبرات الثمينة شخصيته، مضيفا إليها حصاد مغامر جريء ملتح، ذي همة عالية، لم يعد يخشى أهوال الحرب، وأضرار الشراب، وأخطار الإفراط في صحبة النساء. وأمور كثيرة أخرى لا يخشاها.. إلا شيئاً واحداً: التقدم الزاحف في السن، أو شتاء الشيخوخة. فهل آن للمحارب أن يستريح؟!

·       استراحة بلا راحة

لقد خرج من الحرب العالمية الثانية بحصيلة لا بأس بها: تسعة عشر جُرحا من المعارك، وبإصابتين من حادثتي تصادم سيارة. فإذا ما أضيف إلى ذلك إفراطه في الشراب، ورصيد ما مر به في السنوات السابقة، والافتقار الشديد إلى الراحة على الدوام، الذي كان ينخر في بدنه وما في داخل رأسه، لم يكن غريبا إذن أن تصحبه باستمرار آلام الصداع والدوار، وأحيان فقدان الذاكرة، وطنين في الأذن. فتوقف عن الكتابة إلى حين ميسرة.

ولكنه ظل متماسكا، بينما آخرون في مثل حالته الصحية، بل وأقل منها آلاما وسقاما وضجرا، كانوا يهلكون سراعا من الإنهاك، ومن الخوف أن يشتد بهم العذاب. وإذ كان يدرك ذلك، ويعلم مقدار صبره هو واحتماله، فقد زاده المرض صمودا، وزاده الضجر عنادا، وزادته الآلام صلابة، فزادته قوة التحمل زهوا في نفسه، ومهابة عند من يعرفون ومن يجهلون.

لاحظ الجميع فقط أن شعر رأسه بدأ يتساقط؛ وأنه يريد تجميل معيشته مع حبه الأخير، بأكبر قدر من السكينة والهدوء. وابتهجت أساريره عندما تسلم (في يونيو 1947) ميدالية النجم البرونزية، تقديرا لجهوده في أثناء الحرب. فطاب نفسا. وجاء في نص الشهادة المصاحبة للميدالية: ".. ونظرا إلى أنه أثبت جدارة في معرفة عميقة صائبة بعلم العسكرية الحديثة وشرحه، ومن ثم تفسيره الدقيق السديد لقيمة الحملات الحربية، وأيضاًَ لتعاظم القوى لدى الأصدقاء والأعداء؛ وبالنظر إلى انطلاقه متنقلا تحت وابل النيران في ساحات المعارك لكي يحصل على صورة صحيحة للموقف؛ وبفضل موهبته المُجيدة للتعبير، فإن السيد "همينجواى" أتاح للقراء أن يدركوا بوضوح فائق وحيوية، مدى الصعاب التي واجهها جنود الخطوط الأولى وانتصاراتهم، وكذلك انتظامهم في المعركة".

ارتفعت معنوياته، وأسلم نفسه بلا روية لاستراحة المحارب: نهم في الطعام، وإسراف في الشرب، وانطلاق في السفر، واستغراق في مغازلة النساء، واندفاع في معيشة طائشة لا رابط لها ولا ضابط. فكان طبيعيا أن يزداد سمنة (116 كجم)، ويتناقص قوة، ويرتفع عنده الضغط، وتنتابه حدة وعصبية، واستشاطة غضب لأقل استثارة، وهذيان بكلام غير مفهوم. ورفض استشارة طبيب نفسي: "لا حاجة بي إليه. فأنا أعلم بنفسي.. اكتئاب مرجعه الضجر، والملل، والتقزز، والزهو". وتلميح عن التخلص من الحياة.. هروب مستتر، لإخفاء وهن ينتشر: "بالأمس، غطست لمسافة تقرب من كيلو مترين تحت الماء.. وراودتني النفس أن أظل هكذا فلا أخرج. كان حقا ممتعا".

وكتب رواية هاجمها النقاد بشدة: "عبر النهر وبين الأشجار" – 1950، وعدوها حشوا من الكلام تافهة. فضاعفت هجماتهم آلامه، وقد أصبح يقوى على الرد والصد. (ولو أنه سيفعل بقوة بعد حين). إنه يقاسي من الصمت، ومن الكسل، ومن جروح الحرب. ويقاسي أكثر وأكثر من حبه الشديد لزوجته، إذ منعه هذه المرة من استكمال سعيه في مطاردة النساء، وقد كان منذ صباه "صيادا" ماهرا. وشعر في قرارة نفسه بأنه صار عجوزا بروح طفل، وقريحة شاب، وفحولة نزق. لكنه حبيس شُهرته، مكبل بوهيج أسطورته، الذي يخشى عليه أن يخمد يوما أو ينطفئ. ومع ذلك، فهو آمن على نفسه أن يعيش عيشة راضية، في بيت يطل من علياء التلال على البحر الكاريبي، فيشاهد مركبة الأثير لديه رابضا في مرساه يتراقصه الموج؛ وهي عيشة طيبة هانئة، في كنف زوجة مُحِبة مُحَبة، رابطة الجأش، ترفض اليأس، تسانده في الأزمات ولا تحطمه، وتتغاضى عن ثوراته ونزواته حفاظا على الود وخير صفاته. فهي تعرفه حق المعرفة وتناديه دائما "بابا".

·       العجوز والبحر

في خضم هذا الخواء والرغاء والغثاء، كتب همينجواى تحفته الخالدة، وأجمل وأرق رواياته على الإطلاق: "العجوز والبحر" – 1952، التي استحق عليها سريعا جائزة نوبل في عام 1954، فكانت "رد اعتبار"، أو ردا عمليا حاسما رادعا لأولئك الذي أسرفوا في نقده ولومه على روايته السابقة، وأولئك الذين أشاعوا إرهاصات عن فراغ جعبته، ونضوب قريحته، وإظلام مخيلته، وأفول نجمه. وكانت تنتابه بين الحين والحين- بعد إتمامه تلك الرواية- فورة من الغضب الثائر الساخط على المخرج السينمائي "داريل زانوك" الذي أعد واستعد لتحويل رواية: "ثلوج كيليمانجارو" إلى فيلم، ولم يكن همينجواى راضيا عن السيناريو، وصرح بقوله: "إنني أجهز بندقيتي القديمة للتوجه بها إلى كيليمانجارو، فأتسلق قمة "كيبو" بحثا عن زانوك وإزهاق روحه". (كان زانوك يصور هناك)! ولكنه بدلا من الذهاب إلى أفريقيا، تحول إلى محبوبته أسبانيا، حيث المباهج، ومصارعة الثيران وذكرى غراميات قديمة. ثم اتجه إلى أفريقيا.

وهنا تقع حادثة لطائرته، فيظل العالم لأكثر من أربع وعشرين ساعة على يقين من وفاة همينجواى.. الروائي الكبير. وما حدث: هو أن عاصفة طوحت بالطائرة التي كان يستقلها مع زوجته "ماري"، وكانت فوق أعالي النيل، فسقطت متدحرجة فوق الصخور الجبلية بارتفاع مائة وثلاثين مترا.

كان الزوجان يعتزمان التحليق فوق غابات أوغندا. وفي اليوم التالي – 23 يناير 1954- عُثر على حطام الطائرة خالياً. وفي الخامس والعشرين من الشهر، أذاعت لندن (BBC) أن همينجواى وزوجته على قيد الحياة، بعد أن تسللا من حطام الطائرة وخرجا إلى الأدغال المليئة بالسباع والتماسيح وأفراس النهر، وأنهما مشيا حتى بلغا شاطئ النيل، إلى أن عثرت عليهما الشرطة. وكانت الصحف قد نشرت في صبيحة ذلك اليوم أنباء وتعليقات حزينة عن فجيعة الطائرة الجديدة التي استأجرها همينجواى ثم تحطمت واشتعلت فيها النيران عند شواطئ بحيرة ألبرت، وعن احتراق همينجواى وزوجته داخلها.

نجا العجوز من الموت؛ وما كانت أكثر مواجهاته للموت! فاستقل مع  "ماري" طائرة ثالثة (منذ اعتزامها السفر إلى أفريقيا) للوصول إلى "عنتيبي" في أوغندا. وظهرت صورتهما في دول العالم وهما في رحلة صيد: الروائي المغامر العجوز يقف على مقربة من حيوان وحيد القرن القوي الشرس، وفي صورة أخرى وهو يطارد ببندقيته الأسود، في حين كانت زوجته تطالع خريطة سياحية وتجلس على ركبتيها غزلا رضيعا.

وحان موعد تسلم جائزة نوبل. ولم يحضر حفل تسليمها بحجة أنه مريض، وأناب عنه سفير الولايات المتحدة الذي ألقى كلمة كتبها همينجواى قال فيها: "تعظمة أهمية الكاتب في عيون الجماهير عندما يتخلى ع رغبته في العزلة. وأحيانا قد يكون لهذا تأثير سيء على إنتاجه؛ لأنه يحسن العمل والإبداع وهو في عزلة إذا كان كاتبا مجيدا، إذ عليه أن يواجه في كل يوم إما الخلود وإما الخمود.. لذا كان في العالم قديما كُتاب مبدعون عظماء؛ أما الكاتب الآن، فهو مضطر إلى الذهاب بعيدا وبعيدا جداً، أبعد مما يستطيع أن يبلغه لو سارت الأمور على طبيعتها؛ وهناك لن يجد أحداً يعينه...". وتلقى الجائزة، فأهدى الميدالية إلى القديسة التي يجلها أهل كوبا (عذراء النحاس)، واحتفظ لنفسه بقيمتها (25 ألف دولار آنذاك، وبلغت مليون دولار أمريكي سنة 1999) ليسدد بها بعض ديونه. وقد كان دائما على خلاف وفي نزاع مستمر مع الضرائب التي كان يرى أنها تمتص وتستنزف بلا حياء وشرف عصارة جهد رجل وحيد لا يملك سوى خياله وقلمه لكي يبدع وينتج، ويقدم لملايين البشر في العالم ما يسعدهم ويساعدهم على التأمل والتفكير. ولم يكن هو الوحيد الذي كانت تؤرقه وتعوقه بيروقراطية الضرائب وإجحافاتها، ولن يكون الأخير، مادامت الضرائب لا تفرق بين إبداع منتج يخرج للناس ثمارا حلوة فيها غذاء وشفاء للعقل أو تسر الناظرين، وبين صناع منتج يخادع الناس ببضاعة مضرة قد تتلف العقل وتغم النابهين.

·       خريف الأحزان

أصبح هيمنجواى – منذ عام 1956- رجلا مريضا. ربما بسبب ما ضاقت به نفسه من هموم وظنون. لكن الذي كان واضحا، أن جروحه السابقة (في ساقيه وقدميه وجسمه ورأسه) عادت تنشط وتؤلم وتنذر بالخطر. لكن ذلك لم يمنعه من السفر إلى بيرو (غرب أمريكا الجنوبية) لكي يتولى بنفسه إخراج مشاهد السمك في فيلم سينمائي عن روايته: "العجوز والبحر"، إذ لم يعجبه أسلوب المخرج في تلك المشاهد. فلما ضايقه فريق العمل الفني في الفيلم، ذهب مغاضبا إلى أوروبا يحمل معه مشروع روايته عن أفريقيا لم يكتمل، وعرج إلى أسبانيا معتزما الكتابة القصصية عن حياته في باريس بعد تحريرها من الاحتلال النازي، وعن المعارك وعن أمجاده السابقة. لكنه أفرط في المسكرات، فأتلف كبده، ولجأ إلى الأدوية، ولم تكن مجدية. فعاد إلى كوبا. كانت تشتعل بالثورة يقودها كاسترو، وكان هو في سن الستين.

تمنى همينجواى لكاسترو النجاح، لتحقيق ما وعد من إصلاح. ثم رحل عن كوبا إلى باريس، فأسبانيا. والمرض يشتد. تضاف إليه آلام الكلى. الآن فقط بدأ يخاف.. لأول مرة في حياته يعتريه خوف. وتظلم نفسه. فتنتابه نوبة من الجنون... إحساس واهم بالاضطهاد.. وأنه مرصود للقتل. ممن؟ من وكالة التحقيقات الأمريكية (F.B.I)، ووسائلها في الاغتيال والقتل كثيرة، منها الضرائب. فكان لا مفر من إدخاله المستشفى، سرا بالطائرة في مدينة "دورشستر" بانجلترا.

·       موت البطل

وُضع في مستشفى "مايو" تحت العلاج النفسي والعضوي. وخضع لجلستي صدمات كهربية كل أسبوع، في الفترة بين ديسمبر 1960 ويناير 1961. فتحسنت حالته. وفي الواقع، لم تعد لديه الرغبة في المقاومة: مقاومة أي شيء، أو حتى إنقاذ نفسه. وتملكه الحزن.

بعد خروجه من المستشفى، فاجأته "ماري" يوما وهو يقلب بين يديه بندقية وأمامه رصاصتان. فتمالكت نفسها بحكمة، واقتربت منه تلاطفه وتهدي من شرور هواجسه، حتى أفلحت بهدوء في إقناعه بتسليمها السلاح.

فكان لابد من معالجته من جديد بالمستشفى. وفي اليوم المحدد لدخوله، كان همينجواى في بيته ومعه صديق، وإذا به فجأة يسرع نحو بندقيته ويحشوها بطلقات نارية ثم يوجهها نحو رقبته، فحدثت مشادة بينه وبين الصديق الذي قفز نحون، وبصعوبة بالغلة- وخطرة- نجح في انتزاع البندقية منه.

وفي الطريق إلى المستشفى بالطائرة – خُفية كالعادة- حاول الانتحار أكثر من مرة: عند إقلاع الطائرة، بمسدس كان يواريه ي حقيبة يده، وعند النزول من الطائرة، باندفاعه نحو محرك طائرة أخرى رابضة –وكان يدور بسرعة هائلة- في لحظة تحركها للإقلاع. فوضع تحت المراقبة المستمرة. وأخضع للعلاج بالصدمات الكهربائية مرة أخرى، ولفترة أطول من سابقتها. وفي البيت، جمعت "ماري" كل الأسلحة والذخيرة، وأخفتها في حجيرة معتمة صغيرة (تشبه الكرار في البيوت القديمة). ولم تذهب معه إلى المستشفى.

في الثلاثين من يونيو توجه إرنست همينجواى – بعد خروجه من المصحة- إلى "وادي الشمس" وهي قرية سويسرية صغيرة تشبه المنتجع للتزلق على الجليد، كانت تستهويه زيارتها من حين لآخر منذ سنوات بعيدة، ولعائلة همينجواى الكبيرة مستراح (شاليه) بها. لكنها على أية حال ليست في دفء وبهاء بيت الأسرة في كوبا، المطل على مياه الخليج الذي يتراقص على سطحه مركبه الأثير لديه؛ ذاك البيت الذي يحيط بحديقته الزهور، وتتجول فيه على سجيتها قططه وكلابه، وتتجمع فيه كتبه ومقتنياته. كل هذا وذاك عالم قديم مضى، ولن تراه بعد الآن. ولن يموت همينجواى بين السماء الصافية، والبحر الساكن، والشاطئ الدافئ الحنون؛ وإنما سيغمض عينيه إلى الأبد بين قمم الجبال الشاهقة، وغطاء الجليد الدائم، ولفحات هواء بارد لا يريم.

كان يوم الأحد الأول من يوليو 1961، وكانت "ماري" قد لحقت به لرعايته في هذا المكان النائي بعد علاجه بالمستشفى. في تلك الليلة، قام العجوز من فراشه وتسلل خارجا من حجرته على أطراف أصابعه، حتى لا يوقظ الزوجة المستغرقة في النوم داخل غرفتها المجاورة. إنه يعلم جيدا أنها جمعت كل الأسلحة التي كان يحتفظ بها منسقة في (الشاليه)، وأخفتها في خزانة بالأسفل (بالبدروم) وأوصدتها جيدا بمفاتيح. وهو يعرف أين تضع تلك المفاتيح.

صعد من تحت الأرض (من البدروم) وفي يده بندقية صيد فضية قديمة، ومضى يمشي على مهل، في هدوء، ثم توقف في ردهة المدخل. وفي لمح البصر، صنع بيديه- لا بخياله وقلمه- ذلك المشهد المأساوي الذي أشرنا إليه في مستهل الحديث عنه: صوب البندقية ذات الماسورة المزدوجة نحو جبهته، وضغط على الزناد بقوة، آخر قوة تصدر منه.. وانتهى كل شيء...

حدث ذلك عند الفجر. ثم أشرقت الشمس.. بيضاء لامعة، فوق الموت الأحمر.. والدم السائل.

............................

طباعة
أرسل لصديق
احفظ المقال
برامج التواصل الاجتماعي المتجددة والمتطورة ساهمت في إضعاف العلاقات الاجتماعية لا تقويتها.
 
أرسل تعليقك: ما هو عنوان الكتاب الذي قرأته لأكثر من مرة؟
 
قرأت لك: كتاب (قواعد العشق الأربعون) جلال الدين الرومي
 
أدب وأدباء: الشاعر محمد مهدي الجواهري
 
مذكرات امرأة من كوكب الحكمة: أردت رجلاً من زمن الفرسان
 
البيت السعيـد: ( هـوس الرشاقـة - كيف تعاملين الزوج العصبي - ســميــرة وســنــة أولـى روضـــة - لا تكوني فضوليـة)
 
مقالة للأديبة بجريدة الراي: معرض الكتاب وتجربة الكتّاب الحديثة
 
مقالة للأديبة بجريدة الراي: ثقافة الوحدة في الإسلام
 
 
Hardtask