عتبة الدار
لقد مرّ على قتله عشرات السنين, الاّ أن ذكراه مازالت تعيش ، تسمع صوته قادما اليها من بين بساتين النخيل.. عندما جاء خبر موته لم تصدق, وحين رأت جثته ممثلا بها أمام باب منزلها مسّها شيء من الجنون.. مازالت حتى الآن تهيم ببصرها نحو الباب, علّه يعود سيدخل عليها بعد قليل لكنه لا يأتي..
كان أملها الوحيد وعندما أنجبت أخاه خفف عنها معاناتها... لكن أين هو الآن يقضي معظم وقته خارج المنزل لا تعرف له سبيل, يعود في آخر الليل متجهم الوجه يصعد غرفته ولا يحدثها أبدا.. كثيرا ما يتشاجر معها عندما تسأله عن أحواله وعمله, حتى أنه يضربها أحيانا, ومع كل هذا ما زالت راضية صابرة فهو يشبه أخاه لكنه مختلف بسلوكه تماما, عندما تتذكر سعيد, حبه, أخلاقه, تتأسف على أخيه سليم وتدعو له بالهداية....
في أحياء بغداد, حيث يقع منزل أم سعيد ترابط رائع بين الناس, فالمعونة ومساعدة المحتاج من الأولويات, لذلك أم سعيد ومع جفاء ولدها الاّ أنها تلقى احتراما واهتماما كبيرين من أهل حيها الذين لم ينسوا أم الشهيد الذي أعدمه الطاغية وثلة من الشباب الملتزم المناهض لفكر البعث وجرائمه.
مضت أيام ولم يعد سليم الى المنزل فساورها قلق وخوف عليه, فالوضع في بغداد لا يطمأن, حملات اعتقال واسعة يشنها الجيش الأمريكي. قضت ليلتين لم تعرف فيهم النوم أبدا, قضتهم على سجادة الصلاة تدعو الله أن يحميه وأن لا يفجعها مرة ثانية...
في اليوم الثالث عاد سليم, فبدأت أمه تزغرد فرحا بعودته, قبلته كثيرا, حمدت الله على سلامته, لكنه أمام هذا الموج الهائج من الحنان وعاطفة الأمومة, لم يحرك ساكنا أزاح يد أمه عن كتفه, أدار ظهره لها, وصعد الى غرفته(لا تقلقي علي لم أعد صغيرا أنا مشغول في العمل)..
جمدت في مكانها لم تعد تقوى على الحركة, رمت بنفسها على أقرب كرسي, دفنت وجهها وبكت ماشاء لها....
كثرت غيابات سليم عن البيت, ولاحظت أمه تغيرا كبيرا يطرأ عليه, ملابسه تغيرت, تسريحة شعره, رائحته, غيّر رقم هاتفه, أصبح شديد الحذر, يخاف عندما يطرق الباب, يستفسر عن كل من دخل المنزل, يشعر بالسعادة عندما يسمع عن انفجار وقع ضحاياه أبرياء, يتحدث عن النصر والجهاد وغيرها..
صعدت أمه الى غرفته ذات مرة تفتشها فقد ساورتها الشكوك حول عمل ابنها, ولم تبذل جهدا كبيرا فها هي تجد قطعة قماش وضع فيها رزمة ضخمة من الأموال ومسدس ثقيل, جلست على الأرض تولول, لابد أنه سرقها, من أين جاء بهذه الأموال ولماذا هذا المسدس؟؟.. وبينما هي كذلك دخل عليها سليم فأربكه منظر أمه, لكنه سرعان ما بدأ بالصراخ عليها, شدّها من يدها فتوسلت به أن يخبرها عن مصدرهم, أقنعها بأنها أمانة لصاحبه لكنه لم تصدق, فصفعها على وجهها أخرجها من الغرفة وأغلق الباب عليه.
مرّ أسبوع كامل ولم تر أم سعيد وجه سليم, لم تعرف لماذا لم تدعو له هذه المرة بأن يعود اليها, لكنها كانت تشعر بأن ولدها أوقع نفسه بين أيدي الشياطين..
في صبيحة يوم من أيام تشرين, سمعت طرقا قويا على باب دارها, خرجت على عجل تمسك بقلبها وتصرخ:(سليم لقد عاد سليم) وعندما فتحت الباب رأت جثته يملؤها الدماء, تقدم نحوها أحد رجال الشرطة قائلا:( لقد قتل البارحة في اشتباكات مع الجيش العراقي وعندما علمنا بأنك امرأة كبيرة أحضرناه لنتأكد من أنه ولدك, لقد تصادم مع رجال الجيش في مداهمة لمنزل كان يحوي ارهابيين وعثر معهم على قنابل وأسلحة وكان ابنك متورطا معهم)..
أغلقت عيناها لترجع سنوات الى الوراء عندما تقدم نحوها أحدهم:( ان ابنك شهيد قتله حزب البعث لانه يسير على نهج آل البيت عليهم السلام, حسبك صبر الزهراء يا خالة)
تنهدت كثيرا تمنت أن لا تفتح عيناها, وسيان بين هذا المشهد وذاك, بين ذاك الشهيد البطل وهذا المجرم القاتل.. لكنها الأيام أو لنقل هو الانسان عندما يختار بين الجنة والنار...
أغلق الزمن في وجهها كل الآمال, فواجهته بصبرها, برحمتها, بحبها.. لكنه أحيانا يمد يده, يهز كياننا فيزعزع كل الذي بنيناه..
نظرت الى ذلك الرجل اغتصبت كلماتها التي اعتصرتها من قلبها الحزين: (هذا ليس ولدي, أنا أم الشهيد سعيد, وليس لدي ولد غيره) ...
عادت أدراجها, أغلقت بابها ونظرت الى العتبة كيف استطاعت أن تجمع جسدان,واحد مضرج بدماء الشهادة وآخر ملوّث بدماء الأبرياء....
حوراء السّعدي