أثر الطاقة الكونية في شفاء الأمراض المستعصية
كتب أحمد مرهون المالكي- المنامة - القزويني ترصد الواقع في روايتها (رجل تكتبه الشمس)
دراسة نقدية للأستاذة (سعاد العنزي) حول رواية (هيفاء تعترف لكم)
دراسة نقدية لرواية (أهلاً سيادة الرئيس)
 
وسائل الإعلام والعلاقات الزوجية
عدد مرات القراءة:194
التاريخ:أبريل 2010

وســائل الإعـــلام والعــلاقات الزوجيــة

( ورقة الأديبة التي قدمتها في المؤتمر الدولي الثاني للمفكرات المسلمات - أبريل /2010 طهران)

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على نبينا محمد أشرف الخلق سيد المرسلين وحبيب إله العالمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الصفوة المنتجبين وبعد

لقد تطورت وسائل الإعلام بشكل هائل وسريع مقارنة مع وسائل الاتصال في القرن الماضي وقد بلغت تقنياته الدقيقة ما جعل العالم يتحول بأجمعه إلى قرية صغيرة ليتمكن أهلها من الاطلاع على شؤون بعضهم البعض بسرعة ودقة. فثورة الاتصال والمواصلات مع التقدم في وسائل وأساليب الإعلام والاتصال كل هذا عزز مكانة الإعلام.

" وإذا كان قد قيل الإعلام نصف المعركة، فإنه يصح أن نقول اليوم: الإعلام أكثر بكثير من نصف المعركة لأنه يؤهل الرأي العام للقيام بعمل ما وفق ما يوجهه لهذا بات نجاح الإعلام في توجيه الرأي العام المقدمة الضرورية لنجاح أية معركة عسكرية كانت أم اقتصادية أو ثقافية، وسبب ذلك نجاح الإعلام في مهمته يسهم في توليد الاندفاع عند أنباء المجتمع باتجاه مشروع ما وخطة وإستراتيجية لها أهداف بعيدة المدى وكلما آمن الإنسان بأهدافه ومشروعه كلما زادت قناعاته في الدور الذي يضطلع فيه من أجل تشكيل رؤية معينة للناس"[1].

وبما أننا نعيش زمن التحديات والصراعات الأيدلوجية والغزو الثقافي الغربي فإن قدرة هذا الإعلام وبما يمتلكه من استعدادات مادية وتكنولوجية ضخمة أضف إلى إستراتيجية ساهم في صنعها مؤسسات جندت المفكرين والمبدعين والكتاب وأصحاب الدعاية والسوق فكانت انطلاقته ضمن مشروع سياسي عالمي استهدف منطقتنا وأسماها باسم (الشرق الأوسط) واحة سلام وجنة الله على الأرض، يخطط لها كما يقول شمعون بيريز "وخلال محادثاتي العديدة مع الشخصيات الأوروبية، رسمنا برنامجاً خاصاً بشرق أوسط جديد".

وكنتيجة لذلك فقد بدأت البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تستهدفنا من أجل زعزعة كينونتنا وهويتنا واستدراجنا إلى الخضوع والاستسلام عبر معاهدات سياسية تمهد الأرضية الخصبة لترويج مشروعه في مجتمعاتنا الإسلامية والتي انتهكت منظوماتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية فكانت أولى الحراب في صميـم (الأســرة) وزعزعتها ومسخ هويتها وتجنيد كل وسائل الإعلام وبالأخص الفضائيات لبث السموم الفكرية والقيّم المادية والمبادئ اللبرالية التي لا تجد في النظام الأسري إلا قيداً لحرية الإنسان.

ولهذا فالمرحلة التي يروج لها الإعلام (الصهيوصليبي) تبلغ من الحساسية والخطورة والاستحواذ العالمي ما يعزز هيمنتها وقدرتها على قلب الحقائق وتغطية مآربها وأكاذيبها والظهور بمظهر الحياد والموضوعية فتأتي نتائجها فعالة ومؤثرة في الناس ولهذا لا يمكننا إيقاف هجمته الشرسة ما لم يكن لنا إعلام قوي قادر على كشف ألاعيبه وزيفه وخداعه للمتلقين في العالم.

أولاً: الأسرة المسلمة: محور الارتكاز في الإعلام (الصهيوصليبي)

فالأسرة نواة المجتمع والمحور الذي تدور في فلكه المجتمعات قاطبة وكلما توفرت في الأسرة عناصر القوة والوحدة والالتزام كان من الصعب اختراقها وتفكيك روابطها ومن هنا فإن المجتمع الذي تترابط خلاياه في بناء عضوي سليم هو مجتمع متوازن قوي الأواصر، يتقدم باستمرار ويتطور بمقتضى عوامل القوة التي تغذيه لينمو ويكدح نحو تطلعاته المستقبلة وفي اتجاه الكمال الإلهي المطلق.

فالنموذج المتكامل للأسرة المسلمة التي خطط الإسلام منهجيتها ضمن إستراتيجية دقيقة وشاملة تنطلق بدءاً من:

أ- مرحلة التمهيد

(اختيار الزوجة الصالحة والزوج الصالح).

ب- مرحلة المعايشة

ثمة برامج أخلاقية وقوانين شرعية وأحكام فقهية تشكل العامود الفقري الذي يستند عليه جسم الأسرة ليبقى سليماً صحياً، حيوياً، قادراً على العطاء الذاتي والاجتماعي.

وهي بالمجمل معايير قيمية واضحة للفرد كي يعرف أسس الاختيار السليم فالأسرة تتوازن بناءاً على هذه المعايير المستندة على تعاليم القرآن الكريم وتوصيات النبي وأهل بيته عليهم السلام لأنهم الأعلم بطبيعة النفس البشرية ومصالح الخلق وخباياهم الدفينة والمضامين السامية التي تحتويها هذه التعاليم كي تهذب النفس البشرية وتصونها من عوامل الضعف والخراب.

جـ- مرحلة الانجاب وتربية الأطفال

متى ما تأسست القاعدة الصلبة والأرضية الخصبة الصالحة لإنجاب الأبناء يدخل الزوجين مرحلة التحدي الأكبر التي يقتضي منهما تربية جيل صالح يتأهل لخوض غمار الحياة وهو محصن بكل قيم الإيمان والعقيدة بحيث ينطلق إلى الحياة في سياق تكليفه على وجه الأرض كمسؤول في حمل الأمانة وبناء الحضارة وحماية الأمة من عوامل الانهيار والتبعية للآخر.

لكن الأسرة المسلمة في العصر الراهن أخذت تتفكك وتفقد هويتها بفعل المؤثرات الخارجية والتيارات الفكرية التي تبثها المؤسسات الثقافية ذات المرجعية الفكرية الليبرالية وبتأثير الفضائيات وما تقدمه من عروض استهلاكية ذات مضامين هدّامة ففي تقييمها للأسرة المسلمة تحدثت الدكتورة في علم النفس التربوي في مقابلة أجرتها محررة شؤون المرأة لمجلة العصر الكويتية: د. منى دبيـس قائلة

" تعاني أغلب الأسر في الوقت الراهن من التفكك الداخلي والخاص بالعلاقات بين أفراد الأسرة التي يفترض أن تقوم على التواصل والعناية بالأولاد والاهتمام بالشؤون النفسية والعاطفية لأفرادها وذلك بسبب التكالب على الماديات والشكليات والمعطيات الحياتية الخارجية ففقدت أركانها الجوهرية فلم يعد الأب يقوم بالدور الموكل إليه ولم تعد المرأة تقوم بالدور المناط إليها فبقت أدوارها قاصرة، ناقصة"[2].

ونعلم تماماً أن المرأة هي نواة الأسرة فصلاح الأسرة من صلاحها وفساد الأسرة من فساد المرأة، فالمرأة حاضنة الأجيال وتوأمة الرجل في الفكر والقلب والروح، فهما يمثلا عنوان التكامل الإنساني الذي يحمل أمانة التكليف وصناعة الحضارة ومتى ما استوعبت المرأة حتمية وجودها وجوهر رسالتها أمسكت بزمام الأسرة.

فالمرأة في الشريعة الإسلامية مكلفة في هذا السياق كأخيها الرجل في تحمل المسؤولية كاملة ولا يقتصر دورها على الأسرة، كما أتحفنا الإمام الراحل الخميني العظيم في إرشاداته القيمة في هذا المضمار إذ قال: "لا يوجد تناقض بين الأنشطة الاجتماعية وحجاب المرأة، لكن البعض اتخذ في تفسير هذه المسألة طريق الإفراط، واتخذ آخر طريق التفريط، فالبعض يقول مثلاً إن النشاطات الاجتماعية تمنع من الاهتمام بالزوج والأولاد لذا يجب الاحتراز منها والآخر يقول بما أن الزوج وتربية الأولاد عقبة في طريق النشاطات الاجتماعية للمرأة، لذا يجب محو هذه العقبة، وكلتا النظريتين بعيدة عن الصواب".

إذن ينبغي على المرأة الصالحة أن تخلق حالة توازن بين عالمها الأسري الداخلي وتكليفها الشرعي خارج البيت وأن تعزز في ذاتها أنها مسؤولة كما الرجل في الحراك الاجتماعي للأمة فهي والرجل من طينة واحدة وينطلقان من طبيعة تكوينية واحدة كما يصرح القرآن الكريم:

" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا" (سورة النساء آية 1)

فإن معرفة الشريك للدور المنوط له داخل الأسرة يعمل إلى حد كبير على ممارسة الحقوق والواجبات بشكل واعٍ مما يخلق حالة من الاستقرار داخل الأسرة.

(( فالمرأة والرجل إنسانان يتمتعان بحقوق إنسانية متساوية لكنهما يختلفان بحكم أنوثة المرأة ورجولة الرجل مما يستعدي تغايرهما في كثير من الحقوق والمسؤوليات والجزاء، إذ يسعى عالم الغرب في تحقيق وضع متشابه للرجل والمرأة من ناحية القوانين والأحكام والحقوق والمسؤوليات وغض النظر عن الاختلافات الغريزية والطبيعية بين الرجل والمرأة وهنا يمكن التفاوت بين نظرية الإسلام والنظم الغربية))[3].

فالأسرة المسلمة كمنظومة متكاملة في جميع أبعادها الروحية والأخلاقية والأدبية تخترق من قبل الإعلام المهيمن وفي سياق عوملة مادية ترجع في منطلقاتها الفكرية إلى منهج رأسمالي ذو أهداف صليبية صهيونية وفي إطار مشروع عالمي يعمل ضمن تقنيات علمية عالية.

ثانياً: كيف اخترق الاعلام "الصهيوصليبي" نظام الأسرة؟

يحدث أن يصرعك الفيروس حينما تفتقد المناعة وفيروسات الإعلام "الصهيوصليبي" اخترقنا إلى حد فكك تركيبة الأسرة لأننا نفتقد المناعة التي تحصننا من الداخل والخارج وهذه المناعة تتمثل في العقيدة الصلبة التي تثبت أركاننا الفكرية والروحية والمتجسد في المحتوى الفكري السليم الذي ينعكس على سلوكنا لنكون متناغمين مع معتقداتنا إذ كان الاختراق في عمق الهوية في المعتقدات فإذا لم تكن محصناً، صلباً صرت فريسة وألعوبة للآخر.

فالأمة الإسلامية ظلت متزعزعة في بنيانها العقائدي بعد مرورها بحقبات تاريخية طاحنة وظروف سياسية ضاغطة وعلى الأخص عندما انزرع الكيان الصهيوني في قلب الشرق الأوسط فكنا عرضة للغزو الثقافي الذي عمل على تنفيذ مشروعه الثقافي المتغلغل في الكيان الأسري فاستشرت مفاسد المثلية وعبدة الشيطان والإباحية الجنسية وتبادل الأزواج والإجهاض بتحريض من الغرب مصدر لهذه الدعوات قد سوقها في مجتمعنا عبر الأفلام والبرامج والفضائيات المفتوحـة، إذ يجمـع حـي (لي مـاري) "في فرنسا المثليون مع اليهود والعرب والأتراك وعبدة الشيطان والماسونيين وأصحاب النحل الغريبة والعجيبة في مقاهي خاصة هذه فرنسا التي تعتبر رمزاً للحرية الفكرية والتعايش السلمي بين كل المعتقدات، هي نفسها من عجزت أن تجد مكاناً لمجموعة من الطالبات المحجبات  في أروقة الجامعة ولهذا فالعلمانية بصورتها الفرنسية التي يتبناها الكثير من النخب في مجتمعنا تعيش اليوم امتحاناً صعباً في التوفيق بين النظرية والتطبيق"[4].

إن ثقافة العرب وإباحياته قد هبت رياحها المسمومة على مجتمعاتنا عبر الفضائيات المفتوحة بتواطئ من الجمعيات الاجتماعية والثقافية الليبرالية التي تحتضن رواد هذا الفكر وكتاب هذه النزعات وأتباع هذه المدارس لاجتثاث جذور الدين ومسخ الهوية المسلمة والتشكيك بصلاحية التجربة الإسلامية واتهامها بالرجعية والتخلف والإدعاء أنها عاجزة عن معالجة مشاكل الإنسان المعاصر ومن هنا كانت شعوبنا منقادة فكرياً إلى هذه المذاهب التي عززت فينا الانسحابية والهوان والاستسلام.

وقد تفننت التقنيات التكنولوجية الحديثة في ترويج هذا المشروع الخطير في مجتمعنا الإسلامي الكبير فعرفت كيف تتسلل إلى عقله الباطن مركز القيم والمعتقدات من خلال وسائل إعلامية مكثفة تحرض فيه الشهوات والغرائز مستفرغة كل محتواه الفكري الذي شكل حاجز قيمي رادع فكان الانسياق اللاواعي وراء غواية الإعلام والاستغراق البهيمي في الماديات.

ففي المحمل كانت شخصية الإنسان المعاصر نتاج صناعة إعلام يعزف على وتر الغرائز والشهوات وأول حرية كانت في قلب العلاقة الزوجية حيث استفحلت مفاهيم مادية بحتة وغرائزية صرفة في اختيار شريك الحياة وهي المرحلة الأولى من مراحل الزواج كما أسلفت في بداية البحث

" ففي تحقيق أجرته مجلة العصر لفئة الشباب والفتيات المقبلين على الزواج حول المواصفات التي تتمناها في شريك حياتك والذي شمل 200 شاب وشابة في عمر الزواج أظهرت النتائج أن الشابات يحلمن بزوج غني، عاطفي، صادق، صريح يحترم أهل الزوجة وبنسبة وصلت 100% ومن جانب آخر ظهر أن الزوجة التي يتمناها الشاب يجب أن تكون جميلة القوام، عاطفية، كثيرة التأنق للزوج، منظمة، صادقة، صريحة، خلوقة وبنسبة 100% واللافت للنظر غياب قيمة "التدين" كأولى الأوليات في اختيار شريك الحياة"[5].

فأما تدين الزوج كان لدى 14% من الفتيات فقط بينما كان تدين الزوجة أمراً مهماً لدى 36% من الرجال ويعلق الدكتور (حسين الطاهر) مستشار العلاج النفسي على أن ارتفاع نسبة (الجمال) كقيمة في الاختيار لدى الشباب إنما هو اختيار مادي لصورة الجسد فقط أي تحركت المشاعر تجاه الصورة وهذا الاختيار عادة ما يكون بدافع غرائزي بحت وقد يكون الاختيار على أساس ما تعرضه وسائل الإعلام من صور تبين أهمية الجسد في الاختيار دون الاكتراث بالعوامل الجوهرية التي تبني زواجاً ناجحاً كالدين والإيمان.

وبالمثل يقول الدكتور (حسن الموسوي) مستشار العلاج النفسي أن التركيز على عنصر الجمال في الاختيار بسبب وسائل الإعلام والدعاية وما تعززه من قيم خاطئة فالجمال الخارجي سيتغير والجسم والشكل سوف يتغيران مع تقدم العمر.

فالفضائيات لعبت دوراً كبيراً في صياغة ثقافة الجمال ضمن معايير عالمية انغرست في ذهن المتلقي عر تلقين يومي للعقل الباطن بحيث تشكلت في لاوعيه صورة جمالية مثلى ونموذجاً جسدياً مغروساً في قناعاته لا يستبدله بأي مقاييس أخرى فعروض ملكات الجمال، عروض الأزياء، برامج صناعة الجمال وعمليات التجميل تعمل يومياً على المستويين الكمي والنوعي في تعزيز هذه المفاهيم فكانت المرأة ذات المقاييس الجسدية المتقاربة مع النموذج المطروح في الإعلام هي قبلة الأنظار لدى الشباب المقبل على الزواج.

* "ففي استطلاع أجراه الصحافي (صلاح حسن رشيد) في القاهرة حول (صورة المرأة في الفضائيات العربية – سلعة تباع وتشترى) قال الإعلامي (حمدي قنديل) "أن الفضائيات العربية تحارب بعضها البعض من أجل الاستحواذ على أكبر قدر من البرامج والأفلام التي تروج للعرى والتفسخ والفيديو كليب وأنها لا تقدم سوى (ثقافة الصورة) وكأننا في مجتمع غربي إن هذه الفضائيات تمثل (رأس الحربة) في الجسد العربي الإسلامي وهي تعتبر بمثابة (الطابور الخامس) الذي يدق أسافين الخطر في بيئتنا وبلادنا"[6].

ويشير الإعلامي والمفكر الإسلامي (فهمي هويدي) إلى أن القنوات العربية والإسلامية تعيش في وادٍِ آخر عما يحدث في أرضنا وأنها تتوالد كل يوم لتصب في خانة الرقص والغناء والسقوط الأخلاقي مشيراً إلى أن نسبة 90% من الفضائيات العربية تدغدغ مشاعر المراهقين والفتيات وتبث روح الهزيمة والخور في عقول وأجساد أبنائنا لأنها حولتهم إلى كائنات شرهة تميل إلى التقليد والإباحية والتعري.

ويقول الأديب السوداني (محيي الدين صالح أمين) عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية بالقاهرة يقول: "إن التلفزات العربية باتت بيتاً تسكنه أشباح الرذيلة بسبب هذا الكم الضخم من الأغاني الخليعة التي تتراقص فيها الفتيات وهن عرايا والأعجب أنه كل يوم تولد قناة جديدة عربية تنفخ السموم في جيل الأبناء".

وتشدد الدكتورة (نعمات أحمد فؤاد) المفكرة الإسلامية على أن آفة العصر هي الفيديو كليب الذي دخل كل بيت عربي مسلم واقتحم الخصوصيات والأسرار وعرض المجتمعات إلى الإنهيار.

وفي مقالة كتبها الدكتور حسن عبد الله عباس بعنوان (لماذا توضع صورتها على الغلاف؟) قائلاً: "إن وسائل الإعلام صارت بيد التجار وأرباب القطاع الخاص ولهذا فإن الربحية والمادية صارت هي المحور وراء العمل في هذا المجال ولهذا فصحاب المنفعة لا يهتم بالأخلاقيات بقدر ما يعود عليه النفع ولهذا فإن سياسة ترويج المجلات تعتمد على وضع صور الجميلات على أغلفتها طالما كان ذلك مصدراً للربحية ويجب علينا أن نفهم ديناميكية عمل المؤسسات الإعلامية والدعائية والتي تتخذ وسائل عدة لاستقطاب الجماهير وعلى رأس هذه الوسائل أسلوب إثارة الغرائز فإن الظهور شبه العاري والمجون والانحراف وسيلة الوحوش (الشركات) كطعم لاصطياد الفريسة (المشاهد)"[7].

ونلاحظ أيضاً مسابقات ملكات جمال العالم. وإشاعة الفواحش والاضطرابات داخل الأسر الآمنة وزعزعة القيمة الإنسانية للمرأة حتى جعلت هوسها في جسدها كمتطلب أساسي فاق أولوياتها كزوجة وأم فهذا هو الدكتور "هنري ماكوو" في كتابه ("بين البرقع والبكيني" فسوق المرأة الأمريكية) كتب:-

(تركيز المرأة المسلمة منصب على بيتها العش حيث يولد أطفالها وتتم تربيتهم هي الصانعة المحلية، هي الجذر الذي يبقى على الحياة الروح للعائلة تربي وتدرب أطفالها، تمد يد العون لزوجها وتكون ملجأ له على النقيض ملكة الجمال الأمريكية وهي ترتدي البكيني وتختال عارية أمام الملايين على شاشات التلفزة وهي ملك للعامة تسوق جسدها إلى المزايد الأعلى سعراً، هي تبيح نفسها نفسها بالمزاد العلني كل يوم، في أمريكا المقياس الثقافي لقيمة المرأة هو جاذبيتها وبهذه المعايير تنخفض قيمتها بسرعة هي تشغل نفسها وتهلك أعصابها للظهور.

ثالثاً: غرف المحادثة

وثمة تقنية تكنولوجية اخترقت الأسرة وبالأخص العلاقة الزوجية فكانت سبباً للخيانات الزوجية التي ترصدها هذه الغرف السرية حيث يتم محادثة شخص (ما) مجهول الهوية والتنفيس معه عبر فضفضة محرمة حتى تبلغ العلاقة الذروة بكارثة اجتماعية كبرى ناهيك عن العزلة السلبية عن الشريك والبرود العاطفي والانفصال النفسي والمحرض على المشاكل الزوجية والتي تتفاقم حتى تصل إلى الطلاق.

إذ أصبحت هذه التقنية مهرباً للأزواج الذين تنصلوا من المسؤوليات الزوجية ووسيلة للترفية والتسلية ومتنفساًَ للكبت الجنسي حسب ما تورده الأبحاث الاجتماعية في هذا المضمار.

رابعاً: المواقع والمدونات على شبكة الإنترنت

تطلق عدد كبير من المواقع والمدونات العلمانية على شبكة الإنترنت حملات عالمية تروج فيه إلى القيم المنافية للفطرة السليمة للمرأة المسلمة وذلك عندما بدأ التوجه الراديكالي في هذا الشأن عند زعيمة النزعة الأنثوية (سيمون دي بوفوار) بآرائها التي تستهدف اقتلاع كيان الأسرة من جذورها خاصة فيما يتعلق بمؤسسة الزواج التي تعني حصن الأمان والقوة والتعفف للذكر والأنثى فمن آرائها الفلسفية "الزواج يمثل سجناً أبدياً للمرأة ومؤسسة لقهرها" وهي تدعو إلى الإباحية بأعلى درجاتها.

ومن هنا انتشرت هذه الفلسفات الوضعية إلى حد كبير عبر المدونات وهي في محملها تحمل مفاهيم هدامة للأسرة ومحرضة على الفساد كالدعوة إلى المثلية وحرية الإجهاض والشذوذ الجنسي ناهيك عن صيحات نزع الحجاب كما حدث في المؤتمر العالمي الذي تأسس في 8/3/2008 تحت عنوان "اليوم العالمي لنزع الحجاب" معتبرة أن فرض الحجاب تدخل في شؤون المرأة الخاصة وإرهاباًَ فكرياً وطالبت كل امرأة وفتاة بخلع حجابها للرد على من وصفوهم بالأصوليين والأخوانيين الراغبين في تكميم المرأة وحرمانها من حقوقها الشخصية والاجتماعية والدينية"[8].

هذه الآراء بدأت تطفو على خريطة العالم فتصدرت إلى أقطارنا وشعوبنا عبر الجمعيات والمنظمات والمؤسسات العلمانية المتواطئة مع لجنة المرأة المنبثقة في الأمم المتحدة والتي تسعى إلى تمزيق هويتنا وثقافتنا الإسلامية مستغلة من خلال برامجها وخططها المرأة بمقتضى ما تمثله من دور هام في الأسرة.

خامساً: كيف نواجه هذا التحدي

لا نستطيع أن نقف موقفاَ معادياً للتقنية الحديثة ولا ينبغي أيضاً أن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذا الغزو الثقافي الإباحي الشرس الذي اخترق أسرنا وعلاقاتنا الخاصة وكان له الدور الكبير في تشكيل رؤى أغلب الشباب المسلم تجاه أنفسهم ومجتمعهم، إذ أن أغلب الشباب من سن (15 – 24) يأخذون القيم والمبادئ من وسائل الإعلام، فمعاييرهم في اختيار شريك الحياة هي اختزال ثقافة مصنعة إعلامياً ومقننة وفق قيم مادية ونزعات غرائزية عملت وبفعل التلقين اليومي تكوين شخصية ممسوخة الهوية، عاجزة عن الانسلاخ عن الذاتية والانضمام في بناء وحدة أسرية لأنها تفتقد مقومات الالتزام والمسؤولية والتي هي من ضرورات بناء الأسرة الصالحة فكانت منطلقات هذه الشخصية هشة ومهزوزة فبالتالي الفشل الذريع والنتيجة ازدياد معدلات الطلاق.

ففي دولة الكويت قالت المحامية (نيفين معرفي) أن نسبة الطلاق بلغت 55% خصوصاً في فئة الشباب المتزوجين حديثاً لأن الخلافات سطحية وتافهة ودلت على أن أساس الزوج واهٍ وضعيف ولا يرتكز على معايير سليمة وناضجة.

وخيارات الإنسان بطبيعة الحال تشف عن محتواه الفكري وقيمه ولأن الثقافة الاستهلاكية عملت على تسطيح ذهن الشباب كانت خياراتهم على شاكلة معتقداتهم.

ولهذا يقتضي الأمر الاستعداد الكمي والنوعي من أجل مواجهة هذا المشروع الخطير الذي أخذت شعوبنا تحصد مآسيه الاجتماعية داخل الأسرة وخارجها وأولها خوض غمار التنافس في البث عبر الأقمار الصناعية بحيث يمكننا التصدي للفساد الفضائي، ففي ندوة أقيمت في الكويت تحت عنوان (نحن والفضائيات) في ديوان مجلة العصر وبمشاركة كل من الإعلاميين: د. حسين حمزة رئيس مجلس إدارة قناة المشكاة و (د. بدر الخضري صحافي وباحث إعلامي) و (أ. د. علي الحداد مدير مكتب قناة الأنور في الكويت) و (أ. محمود الموسوي إعلامي ومراسل قناة المنار)

خلصوا بنتيجة مفادها "أن المشاركة في القنوات الفضائية هو من أفضل القربات عند الله تعالى، فإيجاد موقع عالمي للفكر الإسلامي والعقيدة الصحيحة هو التحدي الأكبر في ظل الكم الهائل للقنوات واستقطاب الباحثين عن الحقيقة وجذب المشاهدين عن طريق الإخراج الفني والإبهار واستخدام التقنيات مع وجود مذيعين مميزين وبرامج قوية وطروحات واقعية تمس حياة الناس ليتفاعلوا معها بشكل جيد.

ولا بأس من استخدام التراث الإسلامي وتوظيفه بحيث نوجه المشاهدين لاستخلاص العبر والدروس التي تساعدهم في مسيرتهم اليومية ويمكنك من خلال القنوات الفضائية خلق كوادر فنية من مخرجين وفنيين ومعديين وتقوية لغة الحوار بين الإعلاميين والناس والارتقاء بالنقاش ورفع المستوى الفكري فضلاً عن خلق علاقات اجتماعية بين القنوات الفضائية الملتزمة وبث أجواء التعارف والتقارب بين العاملين فيها.

-   خلق روح الإبداع والابتكار في آليات الجذب الإعلامي فهناك دراسة تقول أن الإنسان تطوف أمامه كل يوم 37000 رسالة إعلامية تمر على سمعه وبصره فكل كلمة أو عبارة أو صورة أو مشهد هو عبارة عن رسالة إعلامية، لكن الذي يعلق في الذهن هو (4-7) رسائل ووسائل الإعلام تسعى إلى أن تحظى بها فكيف نقوم بذلك؟ هنا تأتي التقنيات المبتكرة في ترسيخ الفكر والقيم في الذهن وهذا هو دور القنوات الإسلامية التي ينبغي أن تبدع لكي توصل القيم والرسائل التربوية التي تبني الإنسان وتنير عقله وبهذا نواجه العولمة الفاسدة بعولمة صالحة.

-   توفير رؤؤس الأموال واستثمارها في إنتاج القنوات الفضائية الصالحة وذلك من خلال الحملات الدعائية والإعلان بما يعود بالمنفعة على الطرفين.

-   تطوير الخطاب الإسلامي بالشكل الذي ينسجم وعقلية الإنسان المعاصر لأن الموعظة والتلقين في ظل الصراعات الفكرية الحديثة والمتطورة باتت هزيلة إذ يتطلب أن يكون للخطاب جودة في المضمون والأسلوب بحيث يكون أكثر قناعة للمتلقي وبالأخص فئة الشباب للتأثير عليهم وزرع المفاهيم الإسلامية الصالحة لبناء قناعاتهم الداخلية كي لا تتلاعب بهم رياح الإعلام الخارجي وتضللهم.

-   النشاط التوعوي الذي ينبغي أن تتصدى له الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية النسوية من خلال الندوات والمحاضرات التثقيفية للشباب والفتيات وتأهيلهم للزواج وتدريبهم على آليات فن إدارة الخلافات الزوجية.

-       استقطاب الأدباء والكتاب والفنانين الإسلاميين لكتابة مضامين وسيناريوهات هادفة توجه المجتمع باتجاه الصلاح والرشد.

-   رسم خطة أو إستراتيجية إعلامية مدروسة تستهدف المشاهد المسلم عبر ما تقدمه من برامج منوعة وجذابة لاستقطابه نحو أصل مشاكله الاجتماعية وتقديم المعالجات المستندة على تعاليم الشريعة، فإن الإعلام الفاسد يعمل باستمرار على تغييب وعي المشاهد وممارسة لعبة الإيهام اللاشعورية فيظن أن ما يعرض له عبر المسلسلات والأفلام حلولاً ناجعة لمشاكله وهو في الواقع تخدير يقوده حتماً إلى السقوط والجهل.

-   معرفة المرأة أولوياتها "فهناك التباس في فهم المرأة لدورها ومسؤولياتها في الحياة حيث كان لوسائل الإعلام دوراً سلبياً في زعزعة نظرتها لذاتها ففقدت البوصلة التي توجهها نحو المسار الصحيح ولعل الخلل يكمن في قراءة المرأة لذاتها وقيمتها ومسؤوليتها ترك انطباعاً سلبياً لدى الزوج والمجتمع والسبب كما تقول الكاتبة إيمان شمس الدين في مقالتها (المرأة مسؤولية من؟) " إن سبب فشل المرأة هو عدم تحديد الأوليات على أسس منهجية صحيحة تنطلق من خلالها المرأة في حياتها الأسرية والتي تمارس فيها دور الأم والزوجة والأخت والعمة والخالة وبسبب وجود خلل في فهم هذه الحياة وعدم تشكيل تصور واضح لها مما يؤدي ذلك بشكل طبيعي إلى وجود خلل في الثقافة لتحديد الهدف والأولويات.

والطريق للوصول إلى هذا الهدف وهذا ينعكس سلباً على علاقتها بأفراد أسرتها وعلى فهمهم لها ونظرتهم لها فالمرأة مسؤولة عن تشكيل نظرة الآخرين لها وكيفية التعامل معها ففي مجتمعنا تنحصر الأولويات عند المرأة ضمن حدود ثلاث كلها مادية كالمال والجمال والبرستيج الاجتماعي هي أمور مشروعة لكنها ليست هدفاً بحد ذاته"[9].

ولهذا ينبغي أن تفهم المرأة الحياة من منطلق غير مادي وتحدد هدفها والطريقة السوية في تحقيق هذا الهدف وأن تعلم أنها مستخلفة على الأرض ومكلفة كما أخيها الرجل ولهذا ينبغي أن تعرف حدودها الشرعية وأن ترسم حركتها في الحياة وفق رؤية إلهية وعلى الرجل أيضاً أن يتحمل مسؤوليته في تثقيف أهله والنهوض بمستوى تفكيرهم ليتناسب مع التحديات التي تواجهها المرأة في عصرنا الحالي حتى لا تقع فريسة للأهواء ولا أسيرة للماديات وأن يأخذ بيدها نحو الكمال كما تأخذ الأم بيد وليدها برفق ليصعد من سلمة إلى أخرى.

-   دور علماء الدين: ينبغي عليهم وضع برامج تثقيفية للتصدي ضد الحملات الليبرالية التي تسعى إلى إفساد المرأة المسلمة لأن المرأة هي نواة الأسرة وبوابة الصلاح الاجتماعي والمنطلق الذي تنطلق منه الأجيال في بناء الحضارات والتركيز على القيم الروحية التي تصقل شخصيتها وتعزز داخلها معاني العزة والكرامة كمنطلق في حراكها الرسالي فإن المرأة العزيزة حصناً منيعأً ضد كل رياح التضليل والانحلال.

-   تنشئة الفتيات الصغيرات على الإيمان وتفعيل نموذج القدوة الصالحة والتكثيف اليومي والمستمر لها يغرس في لا شعورهن محبة هذه الشخصية ومحاولة تقليدها والاقتداء بنهجها  وعليهن المعوّل في المستقبل كزوجات صالحات وأمهات مؤمنات لجيل قادم.

الخاتمة

إن المعركة مازالت قائمة وفي منتهى الشراسة والاستحواذ فالإعلام العالمي لازال يطلق حرابه المسمومة في صدورنا ولعل قوتنا الحقيقية لن تتأتى إلا بنصرة ديننا واستنهاض قيمنا وتفعيلها بكل الوسائل والآليات التي تمكننا من تعزيز موقفنا الحضاري حتى يعلو دين الله عز وجل مصداقاً لقوله تعالى:

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ"                 سورة محمد آية (7).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين



[1] الدكتور أسعد السحمرابي – الإعلام أولاً – صـ21 (أستاذ كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية وكلية الآداب بجامعة بيروت العربية)

[2] مجلة العصر – العدد 46،  جمادي الآخر 1426 ، يوليو 2005 (مقابلة صحفية مع الدكتورة منى دبيس صـ 21).

[3] الشهيد مرتضى مطهري – حقوق المرأة في النظام الإسلامي – "لا للتشابه نعم للمساواة" صـ 138.

[4] مقالة العلمانية ومنع الحجاب – الدكتور صلاح الفضلي – مجلة العصر – العدد 29 – ذو الحجة 1424 ، فبراير 2004 – صـ 30

[5] استطلاع حول مواصفات زوج وزوجة المستقبل – مجلة العصر – العدد 43 – ربيع الأول 1426 – أبريل 2005 صـ18

[6] استطلاع صحافي – صلاح حسن رشيد – القاهرة – صورة المرأة في الفضائيات العربية.. سلعة تباع وتشترى والمنشور في مجلة العصر – عدد 61 – رمضان 1427 ، أكتوبر 2006 – صـ 28.ي

[7] د. حسن عبد الله عباس – (لماذا توضع صورتها على الغلاف – صـ 46 – مجلة العصر عدد 21 – ربيع الآخر 1424 – يونيو 2003.

[8] موقع حمـاسنا الالكتروني.

[9] إيمان شمس الدين – مقالة المرأة مسؤولية من؟ - مجلة العصر – صـ 36 – العدد 63 – ذو القعدة 1427 – ديسمبر 2006.


طباعة
أرسل لصديق
احفظ المقال