من واقع الحياة
أنـا بانتظــــارك
همسة: لا نعرف قيمة النعمة إلا عندما نفقدها.
صوبها كطلق ناري في صميم قلبي
((طالق... طالق... طالق))
أطرق القاضي ووجهه ينكمش مغموماًَ بينما أدار (عدنان) ظهره وهو ينتفض، مسح طرفه وهو يودعني:
((أتمنى لكِ التوفيق)).
لزمت الصمت وأنا مذهولة، فهل نلت مرادي الآن، سنتان من العذاب وأنا أكابد، قضايا، محاكم، صراخ، اتهامات، شد، جذب، وكأنما إعصار خطفني في لحظة ثم رماني على شاطئ مهجور، أفقت من شرودي وأنا مازلت واقفة أطيل النظر في المرئيات حولي وأسأل كمن استرد الوعي بعد غياب:
((هل انتهى كل شيء؟)).
اختفى عدنان وتلاشى ظله عن ناظري ووجدت نفسي أمشي ببطء وخذلان أسمع أصوات الناس تصدح في فضاء المبنى الشاهق والأبواب المغلقة على حكايات.
قطعت الطريق حتى سيارتي فركبتها وأنا مازلت ساهمة لا أدري كيف أفسر مشاعري في هذه اللحظة فقد كافحت حتى أتحرر من عدنان، الرجل الذي لفظه قلبي منذ البدء، خضت تجربة الزواج لعلي أهضمه وأستوعبه حتى التعود، جاملته في الأوقات الحميمة وكأني أنوء بعبء إذ كنا ننغمر بعد كل لقاء في نوبة شك وكلانا صامت يبتلع داخله لغماً قد ينفجر فيعرينا أمام أنفسنا، وهم الحب المتكلف والاحتيال المرهق للنفس، عشت في رتابة وضجر وفكرت في مصارحته لأدينه، فكل الذرائع التي استجمعتها كي أنفصل عنه بدت مفتعلة رغم إحساسه ببرودي حينما يتمادى في ملاطفاته وهروبي النافر منه مدعية النعاس، يتجاهلني عن قصد، أنتهز الفرص العارضة لأحطم جدار صمته لأتغلغل إلى باطنه وأفجر كبته، يتشرنق بغلاف صخري كي يداري مواجهتي، وفي هفوة من هفواته أعلنت رغبتي في الطلاق يوم أن دخل البيت، هاجمته:.
(دائماً تنسى مطالبي وهذا دليل على أنك لا تحبني، فقبل أيام طلبت منك شراء الجريدة في طريق عودتك وادعيت النسيان كما نسيت الآن شراء أقراص البنادول).
(آسف جداً سأذهب للصيدلية على الفور، المهم لا تنزعجي).
ثرت دون مبرر:
(لا تذهب ولا أريد منك أي شيء فليقتلني الصداع، ليتني أموت فقد سئمت حياتي!).
وانفجر على غير عادته:
(منذ مدة وأنتِ تستفزيني وأحاول قمع غضبي حتى لا نخسر بعض وأبرر أخطاءك كي لا أجرحك لكنك على ما يبدو متمرسة في النكد).
(إذا كنت نكدية فيمكنك أن تتخلص مني وترتاح).
تماسك بعض الشيء:
(سأصبر ريثما تعودي إلى رشدك).
ترك البيت فركنت إلى الوحدة أفكر بحياتي التعسة ورجل لا أجد فيه ما يجذبني ويثير شعوري فأنا أتجمد معه وأنكمش وكل مساماتي تنفر تشمئز، مازال قلبي يتقلب على جمر الذكرى، فمن غاب عني كان شمس حياتي وجنة حبي وأحلامي، هام بي وهمت به لكن القدر خطفه مني بحادث سيارة فما عدت بعد رحيله إلا جسد ميت الروح.
دفعتني أمي إلى هذه الزيجة كي أنساه وأبدد حزني عليه لكني مرهقة في خيالاتي وهي تخاتلني في منامي ويقظتي ولم أشأ أن أعذب عدنان وأعذب نفسي، فزواجي هذا استشهاداً قهرياً لا لذة فيه ولا ابتهاج فاضطررت الدفع باتجاه الطلاق حتى نلت مرادي.
استقبلتني أمي بوجه مكفهر ولسان غاضب:
((يا خسارة)).
((أرجوكِ ماما كفي عن ملامتي)).
دخلت حجرتي وقد تكومت فيها بعض الصناديق وافترشت جدرانها الغبرة والنفايات.
صحت:
((ما هذا؟ هل تحولت حجرتي إلى مخزن؟)).
ردت أمي باقتضاب:
((إنها بضاعة لأخيكِ).
غضبت:
((ألم يجد لها مكاناً غير حجرتي؟)).
((لم أكن أعلم بخيبتك)).
((ماما.. أرجوكِ)).
جاءت الخادمة لتساعدني على نقلها إلى مكان آخر وبعد تنظيف الحجرة وترتيبها أفرغت الحقيبة من الثياب ووضعتها في الخزانة، استلقيت على السرير بعد أن طلبت من الخادمة أن تصنع لي فنجان قهوة.
شابني نوع من الضيق، فالحجرة معتمة والسرير يميل إلى القدم، والستائر الشاحبة تبعث في قلبي الكآبة، ربما أحتاج إلى بعض التعديلات لتبدو أوسع وأجمل.
قضيت في هذا البيت أياماً صعبة، فأمي لم تعد كما عهدتها قبل زواجي حنونة طيبة، فعينيها تتراصداني كالمخبر السري، وأخوتي يتربصون بي كما لو كنت مذنبة وفرضوا عليّ نظام جائر فساعات خروجي وعودتي إلى البيت محدودة ومتابعة أمي لتحركاتي تضمر الشك والريبة، وعندما أتضجر تبرر أنه نوع من الحرص، فشجاراتنا اليومية كانت خبزي الذي أتناوله كل صباح، وذات يوم تعطلت سيارتي فاتصلت بأخي (معتز) ليأخذها إلى الكراج تململ مستثقلاًَ هذا العبء، وأنا قد سئمت سجن البيت وكدت أن أفقد عقلي وأجن، واجهت أمي:
((لا أدري لِمَا تحاربوني بهذه القسوة)).
جرحتني في صميم كرامتي:
((لأن الطلاق عار على المطلقة..)).
قاطعتها وأنا أغلي:
((والمطلقة ماذا؟ سيئة السمعة؟!)
وبأعصاب باردة بررت:
((نحن مجتمع محافظ والطلاق أمر مستقبح في عرفنا)).
هربت إلى حجرتي لائذة بحيطانها الصماء لتحميني من سياط اللوم الجارحة، تذكرت عدنان وحنانه وطيبة قلبه والحياة المريحة في البيت الأنيق وحجرتي التي تطل على حديقة غناء، تحسرت على ما فقدته من نعيم، فأهلي قد نبذوني تماماً واستنكروا وضعي كما لو كنت متهمة.
ذات مساء اتصلت بصديقتي الحميمة (هند) لأتنزه معها، ارتديت ثيابي وتهندمت كعادتي وما أن هممت بباب الدار لأفتحه حتى استوقفني أخي الأكبر:
((أتخرجين بهذه الثياب؟).
بحلقت فيه وأنا أسخر:
((ربما نسيت أني ارتديتها لأكثر من مرة)).
((إنها ضيقة جداً و...))
استجمعت شجاعتي فنهرته:
((أرجوك ابعد عن طريقي فلست بقاصر لتتحكم بي))
فتحت الباب بعنف وألقيت نفسي في سيارة هند:
((معذرة على التأخير)).
سألتني:
((أي مقهى تفضلين؟)).
((أن يطل على شاطئ البحر لأني بحاجة أن أتنفس هواءً نقياً)).
وتمشينا على شاطئ البحر ثم عرجنا إلى المقهى لنشرب الشاي، شعرت ببعض الراحة وأنا أسرّب الهم من جنبات روحي المنقبضة، لكن (هند) بدت حذرة لم تنفتح في حديثي معها كما عهدتها، فلطالما صارحتني بأسرارها الزوجية وهمومها الخاصة، وجدتها اليوم متحفظة مترددة تهرب من أسئلتي عن قصد، في الماضي كنا نتبادل الزيارات لكني ألفيتها الآن متباعدة، وفكرت مسترجعة مواقفها فأيقنت أن السبب طلاقي، فالمطلقة امرأة مرعبة تخطف الزوج من زوجته، فهل كانت أمي محقة في ظنونها؟ نعم، حتى الرجال الذين احترموني وأنا زوجة يحومون حولي كالثعالب الماكرة يسيل لعابها كلما استفردوا بي وكأني الفريسة المشتهاة والنظرات المبحلقة في جرأة تتحفز لقطف الثمرة الرخيصة.
استنكفتهم واحتقرتهم واستكثرت عليهم حتى تحية الصباح، كان إحساسي بعدنان يفيض، فالإنسان يزهد ما يملك وعندما يفقده يشعر بقيمته، اتصلت به ذات صباح ولا أدري لِمَا فعلت ذلك وكان تلفونه مغلق وحينما سألت عنه في مركز عمله عرفت أنه سافر في إجازة طويلة.
ارتعبت، هل يعني هذا أنه تزوج؟ أبهذه السرعة ينساني؟ قتلني الفضول ونهشتني الغيرة فأردت أن أعرف غاية سفره، لكن كيف لي ذلك وبأية صفة أتحرى عنه؟!، طلبت من زميتلي في المكتب (وسن) فهي تتفنن في التمثيل في مثل هذه المواقف فاتصلت بمركز عمله واستعلمت عنه باحتيال وعرفت أنه سافر مع والدته المسنة للعلاج في لندن.
تحررت من قلقي فاسترخت أعصابي.
التفتت (وسن) إليّ قائلة:
((لقد فرطتِ بعدنان يا فرح)).
أطرقت في حزن:
((كنت حمقاء)).
وماذا ستفعلين الآن؟
قطعت الحجرة وأنا أغمغم محتارة:
((لا أدري فعودتي إليه إذلال خصوصاً وأنه لم يحاول أن يتصل بي أو يستفقدني خلال هذه الفترة فلربما قطع عليّ خط الرجعة)).
((ألا يمكن لأخيك أن يبادر بموقف يحفظ ماء وجهك؟)).
سخرت:
((أخي؟!! إني فقدت الثقة بأهلي جميعهم فقد خذلوني وهذا ما جعلني أعيد النظر في قرار العودة إلى عدنان)).
أنا أحتنق يا وسن فقد قيدوني بوثاق العقد الجاهلية ولجموني حتى كدت أن ألفظ أنفاسي.
كان قراري في العودة إلى عدنان قد اختمر في رأسي لكني الآن أبحث عن السيناريو المعقول دون أن أهدر كرامتي.
قد شعرت أني مشلولة، عاجزة، مهانة، حتى كان ذلك اليوم الذي دفعني إلى عدنان دون تفكير أو تردد.. فقد خرجت من مبنى الوزارة بعد انتهاء الدوام، ركبت سيارتي لأعود إلى البيت وعندما قطعت مسافة طويلة انتبهت إلى سيارة تلاحقني، أبطأت السرعة فتقدم السائق إلى الأمام حتى أخذ يميني، انتفضت إنه (محمود) زميلي في العمل، انعطفت ناحية حديقة صادفتني في طريقي فوقفت على الجانب المرصوف ووقف جانبي فتحت النافذة وأنا أشتعل غيظاً:
((ألا تخجل من نفسك؟))
ابتسم بدم بارد:
((قصدي شريف)).
((الشريف لا يلاحق الناس في الشوارع)).
أعرض عليكِ الزواج.
استنكرت:
((في الشارع؟!))
إذن أحدثك غداً على انفراد.
وغاب عن ناظري فتركني مضطربة، كم هو مهين أن يتجرأ عليَّ بوقاحة واستخفاف، هل رخصت قيمتي ليطلبني رجل متزوج وأب لدستة أبناء في إطار هذا المشهد السخيف، استبد بي حزن ومرارة، لازمت حجرتي طوال اليوم فمزاجي متعكر وروحي منقبضة.
جاءني محمود في اليوم التالي وبكل صلافة حدثني عن نفسه ومشاكله مع زوجته ثم عرض عليّ الزواج العرفي حدجتُ به غاضبة وتمنيت لو أفترسه بمخالبي وأصرخ، لكني تداركت نفسي كي لا أفتضح أمام الموظفين، طردته وأنا أشير إلى الباب:
((أخرج من فضلك)).
لم أعد أقوى على حمل نفسي، استأذنت من المدير وخرجت إلى الشارع أذرف دموع الحسرة والندامة، فقد نكأ جرحي رجلاً وضيعاً أهانني حتى الإذلال.. آن الآوان كل أحطم صنم الوهم وأتحرر من سجن الحاضر وقيد الماضي.. اتصلت بعدنان وأنا أهيم في الطرقات ضائعة فلم يرد.. لم أيأس لأني فقدت كل منافذ الحياة بعده حتى جاءني صوته كمركب إنقاذ ينتشلني من الغرق.
((آلو.. فرح؟!))
وفي نبرة مستغيثة:
((عدنان... أنا بانتظارك!))
|