|
لحظة ضعف
همسة: العفاف كنز المرأة الصالحة
بلغ بها السأم ذروته فقد دنس زوجها رباطهما المقدس بخياناته الآثمة واستبد بطغيانه حتى لفظها حطام، اقتحم حجرتها ثملاً فقفزت من سريرها مشمئزة من رائحته
"ما عدت أطيقك، اذهب من حيث أتيت"
وفي هذيان يردد
"أنا جائع هاتِ لي طعام العشاء".
دفعته وهي تهرب
"ابعد عني لا تلوثني بقذارتك"
تناهى في العجرمة
"أنا حر أفعل ما أشاء"
لاذت بحجرة ابنتها الصغيرة وردت خلفها الباب، تبعها مغتاظاً فأخذ يخبط على الباب بجنون.
"سميه افتحي الباب لا تستفزيني"
واختبأت تحت الغطاء باكية تنعى عمرها الذي انقضى في الحرمان والألم، شابة وافرة الأنوثة تتوقد حيوية تنام على جمر وتتوسد الفراغ والوحدة، سبع سنوات عجاف يأكلن عمرها الغض فتذبل كعود الريحان العطر لكنها استقوت بربها كي تروي بدمعها براعم فؤادها الثلاث نسرين، نهلة، نهاد... تنهدت وهي ترهف السمع إليه من خلف الباب، يبدو أنه عاد أدراجه بعد أن يأس منها، استرخت على السرير تفكر "ما الحل يا رباه وأن يتيمة لا أهل لي ولا سند وهذا الرجل لا أمل في إصلاحه، ليتني أجد من أستعين به على معضلتي، ما عدت أطيق هذا الجحيم".
انبلج الصبح فتسلل شعاع الشمس عبر خصاص النافذة فحملت نفسها من السرير بمشقة، أيقظت البنات وهرعت إلى المطبخ لتجهز الفطور، مازالت الفكرة تدور في رأسها إذ لابد من مخرج لهذه المشكلة أقبلت على زوجها الذي غط في نوم عميق، استفرغت حرقتها زفرات لاهبة "هذا قدري، رجل أشبه بجثة هامدة لا إحساس فيه ولا حياة".
نادت بصوت أنهكه البكاء
"حافظ البنات بانتظارك"
امتعظت البنت الكبرى
"سأعاقب هذه المرة إن تأخرت على طابور الصباح يا أمي"
حثت سمية على رأسه توقظه متذمرة
"حافظ إنهض بسرعة لتوصل البنات إلى المدرسة، سئمت هذا الحال".
نفض عنه الغطاء منزعجاً
"وأنا كرهت مشوار الصباح هذا!"
أعباء ثقيلة تتكبدها (سمية) ولا طاقة لها على احتمال المزيد، ينبغي أن تستنجد بأقرب صديق لزوجها لينقذه من هذا الدمار فتذكرت وهي تقلب صفحات الذاكرة "يوسف، صديق طفولته الذي صادفته وزوجه ذات صيف في لبنان وتوسمت فيه الاتزان والحكمة فبحثت على حين غفلة في قائمة الأسماء في هاتف زوجها حتى أدركت الرقم فاتصلت دون تردد.
جاءها صوته الوقور
- نعم.
- أنا سمية زوجة حافظ عبد الرحيم.
دُهش
"سمية؟ خير إن شاء الله".
- ربما فاجأك اتصالي، لكني مضطرة إلى الاستعانة بك بحكم المشكلة التي أمر بها منذ سنوات.
- أنا في خدمتك.
- زوجي في وضع يُرثى له وأريد أن أنتشله من هلاك الإدمان.
- أعتقد أن الحديث في الأمور الخاصة غير مستحب على الهاتف ما رأيك لو تتفضلين عندي في المكتب.
- أرجو أن لا أكون عبئاً ثقيلاً عليك.
- هذا هو الوقت الذي يعرف الصديق معدن صديقه.
- إذن نلتقي في السابعة مساءاً.
وهكذا قطعت سمية ساعات الانتظار متفائلة لكنها أعادت التفكير في هذه المحاولة مرتين وثلاث فربما فعلتها أمر مستهجن في عرف الناس، بيد أنها نفضت تلك الخواطر السلبية محتكمة إلى نيتها الصادقة في إنقاذ أسرتها.
جاءت إليه في ذات الموعد متشحة بالسواد وبوجه خالٍ من الزينة مطرقة بخفر العذارى، استقبلها بحفاوة ثم بادر على الفور:
"لا تتصوري أنني لم أحاول حمايته من شلة السوء التي خالطها حتى بات متذمراً من نصائحي".
- وما الحل في رأيك؟
- "سأحاول مرة أخرى حتى لو اضطررت اصطحابه في رحلة خارج البلاد وأدخله في مصحة للعلاج من الإدمان".
اختلست سمية إليه نظرة مفعمة بالامتنان
"ما خاب ظني بك يا أخي إذ كنت واثقة أنك ستساعدني".
شملها (يوسف) بعنايته الخاصة فأضحى يلبيها كلما ألمت بها ضائقة ولازم زوجها كظله محاولاً استدراجه في رحلات بعيدة كي يستبدل مناخه الملوث الذي عاشه فترة طويلة ومكث يتصل بسمية بوازع من المسؤولية والواجب فأخذت تتردد عليه في مكتبه مبررة حاجتها إلى نصحه وتوجيهه فاعتادت عليه وألفته حتى تمكن منها شعوراً غامضاً استدرجها إلى منطقة نائية لا يمكن العودة منها إلا بمشقة، ففاجئها باعترافه:
"لقد غدوت جزءاً مني"
ارتبكت:
"لستُ أدري ما أفعله صواب أم خطيئة؟!
تنهد مشفقاً عليها
"حاش وكَلْ، لم تخطئي أبداً، إنما جئت مدفوعة بحسن نية".
"أخشى من اقتراب المسافة بيننا".
"أنت امرأة محرومة، معذبة، عفيفة ومن حقكِ أن تنفسي عن كبتك المدفون".
احمر وجهها خجلاً
"أرجوك لا تبرر لي"
وقفت لتودعه وهي تكابد مرارة اللوعة
"فلنقف عند هذا الحد أرجوك"
لكنه شدها من ذراعها قائلاً في انفعال
"نتزوج على سنة الله ورسوله"
استنكرت بشدة
"أرجوك كفى"
هربت باضطرابها، بالحالة الفوضوية التي اكتنفتها فكل مشاعرها تتلاطم وتدك إرادتها الصلبة وهي أعجز من أن تكبح أمواج عواطفها العاتية، أحبت يوسف الرجل الذي فجر مكامن أنوثتها الخابية فسلمت له قيادها خاضعة وإن تظاهرت أنها متمنعة، الوحش المحروم داخلها ينفجر بكل شراهة فما كان عليها إلا أن تقاومه لتصرعه، تارة تبكي لوعتها، حرمانها من أول رجل يقتحم حصن قلبها المنيع وتارة تستغفر ربها خائفة ترجوه أن يرحم ضعفها، هوانها، وحدتها، كرهت زوجها الذي أوقعها في دوامة العذاب وحيدة لا عون لها ولا سند حتى أنه كان يعود في بعض الليالي واعياً تدير له ظهرها مشمئزة فيوسف شغل تفكيرها، النقيض الذي افتقدته في زوجها، احترقت بسعار أشواقها المضطربة حتى سقطت طريحة الفراش معتلة، ورنين هاتفه. ورسائله توقد في قلبها ناراً، فكرت أن تنفصل عن زوجها لتنقذ نفسها من إثم التفكير بالآخر بيد أن زوجها لطمها على خدها
"إياك أن تتفوهي بهذه الكلمة ثانية"
ما أتعس المحروم حينما توصد كل الأبواب في وجهه، لكن باب الله مفتوح تدعوه متضرعة في عتمة الليل المتواطئة مع قسوة الحرمان حينما يستبد بقلبها المتعطش فتتضور أحاسيسها وتقض مضجعها، غلبها الشوق وفي حمأة اللوعة اتصلت به وكان رواؤه عذباً فراتاً أنعش روحها الصادية في حياة قاحلة واتفقا على لقاء في صباح الغد، لكنها اعترضته مترددة
"أخشى أن يلمحني أحد فتلوك سيرتي الألسن"
"لا تخافي فهذه الشقة نائية وفي مكان آمن"
طبطبت على قلقها لتهدأ، وتركت نفسها للقاء غد حيث ترفد من مناهله الروية عذب المشاعر، فلتجتنب التفكير الممض وتمنح ذاتها ولو لمرة لذة الحياة السائغة فلطالما احتملت الأعباء الثقال فلتسترح من همها وغمها وتطلق لمشاعرها العنان...
ستخوض المغامرة حتى آخر نقطة، ستلقي نفسها في النار فربما في الاحتراق تتسلخ من جلدها المنحوس.
استيقظت هذا الصباح مستعدة لهذا اللقاء الذي ستعطي فيه كيانها للرجل الذي أحبته بعمق حرمانها، بامتداد تلك السنين العجاف وهي تقطعها معذبة.
ارتدت أجمل ثيابها وتلفعت بالعباءة وتطيبت ملء مرارتها حتى أنها ولفرط اضطرابها تركت أشياءها مبعثرة على السرير وأبواب الخزانة مفتوحة في فوضى وتمرد وهربت من ضميرها، من سوط النفس اللوامة، هربت من ذاتها بجنون امرأة اضطهدتها الحياة ورمتها على شواطئ الوحدة منسية وسارت باتجاه المكان تستحث خطاها ببغضها لحياتها بازدرائها لزوجها السكير حتى إذا ما وقفت على باب الشقة المقصودة ترددت قبل أن تضع أصابعها على الجرس، ثمة روادع تنهض داخلها فجأة فتنهاها عن بلوغ مقصدها الآثم، بناتها، الزهرات اليافعات اللاتي ينتظرن حضورها الملائكي، صلاتها وهي تقف بين يدي ربها طاهرة، تاريخها النقي، اللاءات المتراكمة في ضميرها اليقظ، النور الداخلي وهو ينبثق من جوفها فيزيح عن عينيها غشاوة الحب، موقفها من الرجل الوحيد الذي أحبته حباً عذرياً وآمنت به حينما يفق من سكرة النشوة ليكشف خلف قناع العفة امرأة هشة سهلة الانزلاق وأحست بقوة داخلها تدفعها إلى الوراء. إلى العودة من حيث أتت، فاستسلمت لقرارها ورجعت بإرادة جامحة، بعثت إليه رسالة هاتفية "أعتذر عن الحضور فمعصية الله قرار فيه هلاكنا معاً"، وباغتها رده "هكذا عهدي بك أيتها القديسة فقد كبر مقامك عندي وتربعت على عرش قلبي ملكة متوجة وأعاهدك عهداً غير حانث أنني معك أخ وعون وسند لآخر لحظة في عمري".
استراحت وكأنما ألقت عبئاً ثقيلاً عن كتفيها، وشكرت الله عز وجل أن هداها إلى الرشد في لحظة مفصلية كادت فيها أن تفقد كرامتها وعفتها ووثقت أن من يتق الله ويصبر فإنه سبحانه سيفرج عنه ويجعل له مخرجا.
|