|
حب وانتقام
همسـة: إذا غشك صديقك فاجعله مع عدوك
بعد سنوات التقيتها صدفة في (الهايد مارك)، ميزتها بقامتها الفارعة التي انحنت بفعل الزمن، أسرعت الخُطى كي ألحق بها قبل أن تنعطف إلى الناحية الأخرى وحينما اقتربت منها تظاهرت بالدهشة لكني اقتحمتها دون مقدمات "هدى عبد الرحمن صديقة الماضي".
نظرت إلي في حيرة
"لا أذكر"
أعتقد أنها لم تفقد الذاكرة لأن ما حدث بيننا ذات يوم لا يُنسى، لم أيأس بل حاولت استحضار صور الماضي لعلها تفق من النسيان حتى أقحمت ذلك الاسم لأصدمها.
"جابر – خطيبي الذي خطفتيه مني".
تضرج وجهها فأدركت أنني سددت السهم في المرمى لكنها سرعان ما بددت عنها الحرج.
"يبدو أنك واهمة فلستُ أنا من تعنين".
"بل أنتِ بذاتك يا نجلاء عبد الله"
بان عليها الارتباك ومضت تنكر
"أظنك مخطئة"
"لو أخطأت كل الناس فلن أخطأ في تشخيصك يا نجلاء، فهناك من يترك في أعماقنا ندوباً لا تنمحي".
"وماذا تريدين مني الآن؟"
"أريد الحقيقة التي غابت عني عشرون عاماً".
بهتت نجلاء
"أية حقيقة؟"
- تنهدت وكأنما أنوء بعبء
"يجب أن نواجه بعضنا بصراحة، فقد كان لي يد في دمار حياتك.
انتفضت نجلاء فهوت على الأريكة فقد نكأت هدى جرحها الذي لم يبرء.
"نعم فقد تحطمت حياتي ولاكت سيرتي الألسن فخسرت كل شيء".
"أنا من فعلت ذلك، لأنك تركتيني أتعذب بعد أن خطفت جابر مني ففكرت بالإنتقام منكِ فقد اكتويت بنيران الحقد حتى لم يعد في قلبي رحمة أبداً فرحت أشوه صورتك بين الناس، كنتِ داخلي لعنة تطاردني، شيطان أحمق يستفزني لفعل كل القبائح والمنكرات حتى أشفي غليلي".
عنفتها نجلاء
أنا لم أخطف خطيبك فلو كان يحبك حباً حقيقياً لما تودد إلي مرات عدة فهو غير جدير بمحبتك.
"بل ينبغي أن تشكريني لأني كشفت حقيقته البشعة ولم أدرك إطلاقاً أنكِ كنت تضمرين لي كل هذا الكره والإنتقام".
"هذا تبرير ضعيف ولا يحتمل إلا معنى واحد وهو أنه قد هجرك إلى أخرى، ما يؤلمني خيانتك لي بعد أن أطلعتك على أسراري ومحبتي له فلطالما كنتِ تقولين أنه شاب نادر في إخلاصه حتى إذا ما واتتك الفرصة رحت ترمين شباكك عليه.
صاحت نجلاء في غضب
"وأين هو الآن؟ هل تزوجته لتحاسبيني؟ إنه أمر قد انقضى".
بكيت وأنا ارتجف:
"لكنه لم ينقضي بالنسبة لي، ما زلت أتذكره، في كل اللحظات الرائعة التي جمعتنا معاً، يعز علي أن تغدرين بي بعد أن استأمنتك على سري فإذا بطعنتك الغادرة تقتلني في الصميم، لم أجد بعد جابر طعماً لحياتي فإن كان لك نزوة فهو بالنسبة لي كل أيامي سنتان ونحن نحب بعضنا حتى خطبني وقررنا الزواج بعد أن أتخرج من الثانوية العامة وكنت شاهدة على كل اللحظات والتفاصيل الخاصة في حبنا وتتمنين أن تعيشي هذه المشاعر وتسألينني عن أدق الجزئيات التي كان يفترض أن أحتفظ بها لنفسي.
نهرتني:
"كاذبة، كاذبة يا هدى، أنتِ من كنتِ تستشيريني في بعض المواقف لأنك متشككة من نواياه فلم أكن متطفلة أبداً، وتأكدي أني لم أخطفه منك أبداً إنما كنت حكماً مصلحاً بينكما حينما تخاصمتما واتصلت به بناءاً على طلبك، لكنه....
صمتت نجلاء مترددة.
استحثتها هدى:
"لكن ماذا؟ أفصحي عما بداخلك أرجوكِ".
أطرقت شاردة
ماذا حدث أخبريني؟
"كان يشتكي منك كثيراً وأفصح لي ولأكثر من مرة أنكِ لست الفتاة المناسبة له وحاولت أن أردم الفجوة بينكما وأوصل ما انقطع بيد أنه كان نافراً منك".
غضبت
"لا أظن ذلك".
أتمنى يا هدى أن تستيقظي من وهم الماضي فإنها تجربة يمر بها الكثيرين لكنها تمضي ولن نقف نبكي على أطلالها.
"أنتِ من حطمت حياتي، ربما لا تعرفين ما حف بي من شقاء".
"وها أنا مثلك شقية في هاتف مجهول لزوجي الذي أحببته ينقلب العش الهادئ إلى جحيم من الشك والغيرة وفي نهاية المطاف طلاقي الظالم، فهل تشفيتِ وارتوى غليلك الآن؟"
تسمرت هدى في مكانها كالمأخوذة ولا تدري كيف تبرر موقفها فانبرت تقول.
"في وقت ما تناهبتني أحاسيس مدمرة وشغلت تفكيري خططاً شيطانية مبعثها الانتقام منك فقد غدوت بعد تجربة خطوبتي الفاشلة محطمة وكأن الدنيا أسودت في عيني بعد أن تبدد حلمي الجميل، تركتماني غارقة في الظن والشكوك أدور في دوامة مظلمة، خططتما أنتِ وجابر لحياتكما وهربتما عني كي تجتنبا ملامتي، فماذا تتوقعين ردود فعلي بعد أن تعرضت للغدر، تذكري أنكِ أخذتِ تتباعدين عني وتتحسسين مني وكنت ألمس تغيرك ناحيتي وبروده مني فلستُ بملاك أو قديسة لأغفر إنما فتاة منكوبة قد برّح بها داء عضال.
"وهل برء جرحك بعد أن انتقمتِ مني؟"
"الحمد لله أن السنين كانت طبيباً يداوي الجروح إذ طويت هذه الصفحة وتزوجت وأنجبت وآمنت في النهاية أنه قدري المقدر".
وفي عينين مغروقتين بالدموع تعاتبها نجلاء
وأنا بقيت وحيدة، مضغة في الأفواه. ألقيتِ بذار الشر ومضيت إلى حياتك ولم تعرفي ما ألم بي بعد طلاقي السريع.. وليتك سألتيني عن سر وجودي في لندن، منذ سنوات وأنا أعالج في مصحة نفسية، ما عدت أطيق العيش في بلدي ما عدت أحتمل نظرات الناس وطاف قطار عمري فما عاد لي أمل في زوج أو ولد فمن منا الخاسرة أنا أم أنتِ؟
قلت لها وأنا محرجة
"إنه استحقاق لما اقترفتِ من ذنب".
رمتني بنظرة ساخطة
"كم أنتِ لئيمة، ألم تتزوجي وتنجبي فماذا ينقصكِ الآن وماذا تريدين مني بعد هذه السنين عرفت الآن لما هجرك خطيبك الأول حتماً اكتشف قلبك القاحل وروحك الجافة.
- قولي ما شئتِ فأنتِ من جنيتِ على نفسكِ ولم يجنِ عليك أحد.
صاحت نجلاء
"إبعدي عني وإلا استغثت بالشرطة ليطردوك من هذا المكان".
ابتسمت في سخرية
"تذكري عزيزتي أنه كما تدين تدان"
وتركت الحديقة متجهة إلى السوق للتبضع فقد جئتُ لشراء لوازم زفاف ابنتي العروس وتشاغلت عن نجلاء بمعاينة الثياب المعروضة في واجهات المحلات بيد أن صورة الماضي لا تفتأ أن تقتحم مخيلتي وكأن جابر جزء من تاريخي، الحب الأول الذي ينغرس في الدم ولا يرحل فبحجم انتقامي كان حجم حبي لجابر، تزوجت من زوجي الحالي بعد يأس ومرارة بقرار انهزامي واستسلام من يدرك أنه انتهى في هذه الحياة وعشت حياة آلية ميتة استشهد فيها كل ليلة فتأتي آهاتي تختزلُ العذاب لا اللذة... أعرف أن نجلاء قد اجتذبت جابر بأحابيلها الشيطانية حينما وجدت فيه نموذجاً استثنائياً في الحب، نخرت كالسوسة فحطمت وصلنا فأردتني بعد الهجر قتيلة.
طفت محلات هارودر ومارك سبنسر بخطوات عصبية، منفعلة فكم الغضب داخلي لم يتنفس بعد حتى البائع أجفل عندما وجدني أفاصل في السعر بعدوانية وغضب، فكرت أن أجلس في المقهى لأطلب كوب شاي حتى ألتقط أنفاسي واسترد أريحيتي.
مازال صدري يغلي كالمرجل وكأنما الجرح تجدد، حاولت أن أهرب من التفكير وأطفئ الغربال المتقد متعوذة "أعوذ بالله من شر الشيطان الرجيم" عدة مرات وأنى لي أن أهدأ وقد غدا قلبي مرتع للشيطان يمارس فيه كل ألاعيبه وحيله حتى غرر بي فأوقعني في اثم الانتقام البغيض.
رن هاتفي بينما أن مشغولة الفكر، قرأت الاسم في الكاشف
"هذه سناء ابنتي"
"آلو"
وفي ثورة بكاء تفاجئني ابنتي
"ماما، طلقني عصام"
"اهدئي، اهدئي يا سناء وحدثيني بالضبط ماذا حصل؟"
لا أدري يا أمي فقد كنا نتناول فطور الصباح كعادتنا اختلفنا على حفل الزفاف إذ قرر إلغاء الحفل كي نسافر في أمر خاص بعمله لكني رفضت وأصررت على الزفاف واحتد نقاشنا ففقد أعصابه وطلقني".
"سأعود على أول طائرة، المهم أن تهدأي الآن".
حاولت أن أتماسك، ان أتجلد لكن داخلي بركان تضطرم فيه الحمم، نفثت من صدري فحيح الشر الكامن فيّ:
لعلها نقطة تحسب لصالح نجلاء!
|