أثر الطاقة الكونية في شفاء الأمراض المستعصية
كتب أحمد مرهون المالكي- المنامة - القزويني ترصد الواقع في روايتها (رجل تكتبه الشمس)
دراسة نقدية للأستاذة (سعاد العنزي) حول رواية (هيفاء تعترف لكم)
دراسة نقدية لرواية (أهلاً سيادة الرئيس)
 
الرجل الذي خطف أمي!
عدد مرات القراءة:755

ظنته صغيراً لا يستوعب ما يحدث بين الرجل والمرأة إذا اختليا ببعض، صبي في العاشرة أقرب إلى الوعي منه إلى براءة الأطفال خصوصاً "مبارك" ابنها الوحيد الذي تميز بفطنة دوناً عن أقرانه قد توفى والده بمرض عضال وهو في عامه الرابع.

عندما تعود بها الذكرى إلى يوم الوفاة تقف مدهوشة لهذه التحولات التي تحدث في حياة الإنسان دون إرادة منه رغم استغراقه في أمر ما، ففي الأيام الأولى من الوفاة قررت التبتل حتى الموت فبعده لن تجد نفسها زوجة لرجل آخر، قرار الوفاء الطارئ بتأثير الزخم الانفعالي حينما يغمرك الحدث، لزمت بيتها شهور طويلة لعلها تلحق به، الوحيد الذي لازمها كالظل طفلها "مبارك" النسخة المصغرة من زوجها (طه) فكيف انقضت تلك السنون وانطوت الذكرى دون أن تنتبه إلى أنوثتها المعطلة وقد افترستها أعراض مرضية مفاجئة بالرغم من صغر سنها، فكل الأطباء أجمعوا أنها حالة نفسية ترجع إلى الكبت المتعمد!

وحبها القلق لابنها "مبارك" تركها موسوسة بشكل مرضي فاللاءات الناهية المرعبة غرست داخله خوفاً وتردداً من خوض أي تجربة يتعرض لها الأطفال فظل لصيقاً بها على الدوام.

شددت أمها في النصح:

اتركيه يا ابنتي يلعب بحرية، ازرعي فيه الثقة فهكذا يشتد عوده.

ردت بغضب:

"هذا ابني وأنا أعرف كيف أربيه".

لو كانت ترجعه إلى أحشائها جنيناً لاطمأنت على سلامته لو تطعمه وتسقيه بفهما لضمنت عافيته، فيكبر "مبارك" وارتباطه بأمه يشتد في لحمة عضوية نفسية أشبه بحالة سيامية نادرة، كان سلوتها الوحيدة حين غاب زوجها،  في المساء تجلسه إلى جانبها وفي حجرها ألبوم الصور الذي ضم أجمل ذكرياتها مع أبيه وتقص عليه قصة كل صورة بكل تفاصيلها الدقيقة فيندهش الصبي، تقدم لخطبتها الكثير بيد أنها تنتفض كمن مسها ضر مستنكرة من لم يحترم حداد زوجه وفيّه!

لم تنتبه إلى عمرها الذي ينصرم وشبابها الذي يذبل وأنها تنحر صباها على مذبح الرهبنة المحرمة، لكن تصاريف الأقدار شاءت أن تنعطف بها نحو محطة مغايرة لما اتخذته لنفسها من قرار، ظهر "عماد" في حياتها صدفة وباستدراج لا واعي يأخذها إلى ضفة الحياة.

ففي اجتماع أولياء الأمور في مدرسة "مبارك" الابتدائية التقته فهو مدرس اللغة الانجليزية وابنها "مبارك" يشكو ضعفاً في هذا المنهج، طال حديثها معه دون أن تشعر بذبذباته المشحونة تنتشر في كيانها الهامد فتحرك المياه الراكدة سنين، وبالرغم منها تجد نفسها منساقة إليه بعد أن انشق في قلبها الصخري نبع ماء، تضجر طابور الآباء الواقف بالانتظار خلفها... فحملت نفسها على مضض:

"أعدك يا أستاذ أن يحفظ الدرس!"

"اطمئني" أم مبارك. فسأبذل قصارى جهدي لمساعدته".

خرجت وكأنها تقفز على غيمات فالإحساس الذي داهمها لا منطق له، كم من الرجال حاموا حولها لكنها أبداً متصلبة تضرب حولها سوراً منيعاً يصعب اختراقه، وحده (عماد) من شغل تفكيرها، ربما عرف الطريق الذي كان يجهله أغلب الرجال وهو ابنها (مبارك) فرعاية عماد له، حرصه عليه، صبره على شغبه داخل الفصل، حنانه الذي غمر الصبي مشاهد اختزنتها في الذاكرة فكونت داخلها صورة مستحسنة لهذا الرجل ناهيك عن حب "مبارك" لأستاذه جعلته قريباً إلى نفسها فهو لا يكف الثرثرة عنه فعندما يجلس ليذاكر مع أمه سميحة يسترجع المواقف العابرة في الفصل (قال الأستاذ عماد أني أشطر طالب)، "كافئني أستاذ عماد لأني حفظت الدرس جيداً"، "وعدني أستاذ عماد بهدية لأني أجبت على أصعب سؤال" وفجأة فتح محفظة الأقلام وأخرج منها قصاصة ورقة وقدمها لأمه:

"هذا رقم أستاذ عماد يا ماما إن أردتِ متابعة نشاطي في الفصل يمكنك الاتصال به".

سرتها المباردة فانبرت تقول:

"نعم يا ولدي فإن الاتصال يغنيني عن مشقة الذهاب إلى المدرسة".

واستغرقت في حيرتها فهل فعل ذلك عن قصد أم كبادرة مهذبة من معلم يدرك أن طالبه يتيم الأب ويحتاج إلى رعاية مضاعفة".

سألت ابنها

"هل أعطى رقم هاتفه لجميع الطلبة؟"

"للشطار فقط!"

"من مِن الطلبة غيرك عنده رقم الأستاذ عماد؟"

" لا أدري يا ماما ربما صديقي مراد فإن أباه يتصل بالأستاذ عماد باستمرار".

وفجأة التفت إليها مبارك

"ماما هل أعطي الأستاذ رقم هاتفك؟"

استوقفها السؤال فاستعلمت متشككة

وهل طلب منك رقم هاتفي؟

"لا أدري"

"وكيف لا تدري؟"

أطرق "مبارك" كالمذنب

نادته مستفهمة:

"مبارك، ما بك؟"

قال بعد تردد:

"لقد أعطيته رقم هاتفك كي يخبرك عن نشاطي داخل الفصل لتتأكدي أنني لم أخيب ظنك".

وتظاهرت بالانزعاج، لكنه برر

"ظننت أن الأمر سيسعدك".

قبلت رأسه

"حتماً يسعدني أن أسمع ثناء المعلم عليك".

واستجابا لموجات قلبيهما فكان اتصالهما بعد تفكير وتردد، هاتفها (عماد) بأدب وتحفظ متورعاً الخوض في المشاعر الخاصة إذ اكتفى بالحديث عن مبارك وعندما يتأخر عنها في بعض المرات تتخذ من ابنها ذريعة لتهاتفه، وعلى استحياء تسأله:

"كيف كان أداء مبارك في الامتحان؟"

كانت بينهما لغة خاصة، لغة مستترة في الضمير المشتعل يفهمان ما في طوية بعض دون الكلام.

شغل عماد مساحة من تفكيرها كانت فيما مضى محرمة على كل رجل فإذا بجلدها الذابل يتجدد وتستيقظ في جوفها الناضب روحاً نهمة إلى الحياة. فها هي ذاتها المنطفئة تستضيء بعاطفة فتية، حارة، لكن اهتمامها بـ (مبارك) تراجع عن قبل فشعر الصبي أن أمه لم تعد تقبل عليه بلهفتها السابقة، ففي ليالٍ كثيرة ينام دون أن تقبله إذ تطل عليه من بعد ثم ترد الباب، الرعاية الرتيبة التي يقتضيها الواجب فهناك من يهاتفها خلسة فترغب في التوحد بنفسها بأعذار يفهم مرماها "أنا مرهقة اليوم"، "أشعر بالتعب"، "أحتاج إلى قسط من الراحة" تدخل حجرتها فتقفل الباب، لكنه يلتقط ذبذبات صوتها المنفعلة فيفهم أن في حياتها رجل وتفسرت ظنونه حينما جاء أستاذه عماد ليخطبها، تبرر أمه وكأنما تدفع عنها تهمة:

" أنا وحيدة يا ولدي وأحتاج إلى رجل جانبي ليحميني".

لزم مبارك الصمت:

حاولت جدته إقناعه:

"أمك شابه صغيرة وأنت مازلت غضاً تحتاجان إلى رجل يرعى شؤونكما"

أعرض عنها دون أن ينبس بحرف وفي خجل يخاطبه عماد

"لن أحل محل أبيك يا مبارك. أعرف أن ذلك مستحيل لكن على الأقل أحاول أن أكون لك أباً سنداً، فغداً تكبر تحتاج إلى رجل جانبك".

حدجه مبارك بنظرة ساخطة ثم هرب إلى حجرته، جلس القرفصاء على سريره ودفن رأسه بين ركبتيه باكياً فقد تركت أمه فراغاً كبيراً في يومياته الرائعة ما بها الآن تستثقله كعبء وتمضي في هواها بأنانية.

لازم حجرته ليوم كامل معرضاً عن الطعام والكلام لم تستطع سميحة احتواء غضبه، قلقت عليه ففكرت أن تتراجع عن قرار الزواج بيد أن أمها دفعتها إلى هذه الزيجة دفعاً.

"سيعتاد الوضع مع الأيام فلا تقلقي"

وبعد برهة من الزمن ضجت الزغاريد في بيت العائلة وبدا الفرح في ناظريه كالمعزين وكأنه مأتم وأن القبر ينتظر الجنازة، لقد ماتت أمه من حياته، ها هي ترتدي كفن الموت وسترقد في لحدها إلى الأبد.

طرق على باب حجرته

"مبارك، مبارك، افتح الباب"

شابه ذعر وغضب، فالمعزين خلف الباب، أخواله، جدته، زبانية جهنم بالمرصاد يسمع غمغماتهم البغيضة، تستبيح كبرياءه.

"كم هو عنيد ومشاكس"، "إنه أناني، ألم يفكر بسعادة أمه؟!".

زمجر مغتاظاً

"أرجوكم اتركوني وحدي".

ومن شاهق النشوة تسقط سميحة في قعر الألم، تمنت بعد السكرة لو تأنت بعض الشيء لم يعد (مبارك) منها قريب، كان طوال الأيام صاداً، هذا الابن اللصيق بجوفها استنكر فعلتها، فر منها فرار النافر المبغض، بكت بين يديه، استحلفته بروح أبيه

"مبارك يا أعز من روحي، اسمعني جيداً أرجوك".

يشيح يعرض عنها

وتشده بعنف وهي تصرخ

"ضع عيناك في عينى وأشعر بلوعتي عليك كيف تعذبني؟

وفعل على مضض فوجدتهما دامعتين

تهدج صوتها

"كنت تبكي حبيبي؟"

أفلت من قبضتها واختفى في حجرته

انفجرت باكية

"ليتني لم أتزوج، ليتني لم أفسد حياة ابني".

وقاسى عماد مرارة الوحدة بعد برهة من زواجه فسميحة بدت نافرة المزاج، معتلة الروح وكأنما تلقي عليه كل الملامة والتأنيب.

فأخذ يتقلب متذمراً:

"ما عدت أحتمل زوجة باردة لا رغبة لها في معاشرتي، فقد تزوجتها والهم ينهبني".

وتدافع سميحة عن موقفها

"أرجو أن تصبر فالصبي منزعج جداً وأحتاج إلى وقت طويل كي أروضه على هذا الوضع".

"وإلى متى أصبر؟".

نفذ صبرها:

"افعل ما شئت فلن أفرط بولدي".

حاولت سميحة أن ترمم ما تهدم في علاقتها بعماد فها هي تدفع نفسها إليه متململة، تعطيه جسداً بارداً ذوت شعلته فقلبها المرهف يرق للصبي الحزين الذي تباعد عنها ونفر فقد ظنت أنه سيهضم زواجها بحكم الألفة والتعود لكنه تراجع في المدرسة واستحوذته كآبة ممضة خصوصاً وهو يلمح أمه متسللة إلى حجرة النوم متبرجة فيجنح خياله إلى ما يحدث في الخلوة فإذا بخناجر الغيرة والقهر تطعن قلبه في الصميم فلا ينام إلا على جمر.

جاءت سميحة هذا الصباح لتوقظه فوجدته ملتهباً من الحمى، ذعرت:

"مبارك، مبارك"

وفي هذيان محموم:

"ماما هاتِ ألبوم الصور، أريد أن أتحدث إلى أبي.... فأنتِ لا تحبيني...

بكت سميحة وهي تلثم وجهه

"بل أحبك وأحبك يا نور عيني"

وفي ذعر نادت:

"عماد، عماد"

أقبل مرعوباً:

"نعم.. ماذا حدث".

فلنأخذ (مبارك) إلى المشفى فالصبي محموم جداً.

 

 


طباعة
أرسل لصديق
احفظ المقال