5257960
 
(البناء الفني في الرواية الكويتية المعاصرة) فصل2- مبحث6
الكاتب :زينب عيسى صالح الياسي
عدد مرات القراءة:1692

تابع الفصل الثاني:

المبحث السادس : المكان

         شكّل الفضاء الجغرافي الحاضن الأول لكلأجناس المخلوقات( إنسان / حيوان / نبات ) فالسماوات و الأرضين كانتا محطّاً للخليقة، و لتشكيل بؤرة هذا الكون بأبعاده الفيزيائية المتنوعة ؛ فمن خلال الفضاء الكوني و ما يحويه من سماء و أرض،و من ثم تذليلها و تهيئتها بوصفها المكان الأكبر لحياة الإنسان،   و خلق الله الإنسان، و من أديم الأرض كان تَخلُّقُه، و لهذا نجد التعالق الحميم بين الإنسان و الأرض، و كأنّها الأمُّ الرؤوم التي احتضنته منذ لحظة الميلاد الأولى المتمثلة في آدم، و تغلغلت في تكوينه حتى صار لا انفكاك بينهما، فينتمي الإنسان إليها بمولده، و يعدّها موطنه، و يحنُّ إليها كلما ابتعد و نأى عنها.

       من هنا نشأت أهمية المكان في حياة الإنسان ؛ فهو الحيّز الذي يحوي تاريخ الإنسان، و علاقاته، و تفاعلاته مع الطبيعة، و محاولاته لترويضها في سبيل خدمته، مما أنتج العديد من التعالقات بين المكان و الشخصيات، و بين المكان و الأحداث القائمة فيه، و بين المكان و تجسيده للزمن، و هذا ما جعل الإنسان يدرك أهمية المكان، و أهمية حضوره، و تجلّيه في إبداعاته القولية ؛ فنجد المقدّمات الطللية، التي زيّنَت القصائد و توّجتها في عصور سالفة، و لقد عُدّتْ هذه المقدمات ذات قيمة كبيرة، تمثّل وجود القصيدة من عدمها، كما عُدَّ المكان هو الممثل لوجود الإنسان من عدمه.

       لقد أدركت الدراسات الحديثة أهمية المكان كعنصر فاعل في البناء الفني للإبداع السردي، و أنَّه مقوّم ( يبث ديناميته الفاعلة في صنع الأحداث و الشخصيات، وصبغ الزمن، و نشر جملة من الأفضية  و المناخات الإشعاعية الإضافية )[1]، مما أوجد اهتماماً أخرج المكان من حيّز الدراسات النقدية، بعد أن عدَّ لأعوام طويلة مجرد وعاءٍ حاوٍ، و إطار ٍ لسلسلة من الأحداث  و الشخصيات، التي يدور حولها عالم القص سواء من قبل الكاتب، أو مِن قِبَل الدارس.

       إنَّ الرواية الحديثة (قد جعلت من المكان عنصراً حكائياً بالمعنى الدقيق للكلمة، فقد أصبح الفضاء الروائي مكوّناً أساسياً في الآلة الحكائية)[2]، ينهض بالبناء الفني كغيره من العناصر الأساسية في النص الروائي، و (أنَّ العمل الأدبي حين يفتقد المكانية ؛ فهو يفقد خصوصيته، و بالتالي أصالته)[3].

       لذا نجد العديد من المعالجات، و الدراسات، التي اهتمت به على وجه الخصوص، و ذلك ( عن طريق الإفادة من المنطق، و السيميائيات، و سائر العلوم الإنسانية، و أصبحت تنظر إلى الفضاء الروائي نظرة جديدة تغنيه،و تغتني به )[4].

       و قبل الولوج في معالجتنا لمبحث المكان، أقف عند التعدد الاصطلاحي، الذي ظهر بوصفه بديلاً يحل محل لفظة المكان، كلفظة الحيز، و الفضاء،     و ذلك من أجل الوضوح و الدقة، التي أبتغيها في المبحث، و تجنباً للخوض في تداخلات هذه المسميات فقد وصلت إلى نتيجة، و هي :

أنّ الحيّز هو الموضع الذي يحوزه الشخص، و حيّز الدار: ما انضمّ إليها من المرافق و المنافع[5]، و كل ناحية على حدة حيّز، و في الاستعمال الجاري بين العامة، كل ماله وزن و حجم و شكل ؛ فهو إذاً جزء من المكان. أمّا المكان فهو: الموضع[6]، و هو الحيّز الجغرافي، جمعه أمكنة. و في النص الروائي نجده عادة ما يحتوي على العديد من الأمكنة (بيت، مقهى، شارع...)، و هي تشكل مجتمعة فضاء الرواية ؛ فالفضاء الروائي هو( العالم الواسع الذي يشمل مجموع الأحداث الروائية ؛ فالمقهى أو المنزل أو الشارع أو الساحة، كل واحد منها يعتبر مكاناً محدداً، و لكن إذا كانت الرواية تشمل هذه الأشياء كلّها ؛ فإنها جميعاً تشكل فضاء الرواية)[7]، و عليه فإنَّ الفضاء الروائي هو المؤطّر للنص الروائي، و هو ما يُغلّف الرواية بمجموع عناصرها حاوياً لها، و دائرة في فلكه، و مندمج فيها في مختلف مراحل الرواية.

       و من أولى الإشكاليات التي تحيط بعنصر المكان في النص الروائي،  و ستكون قيد البحث، هي تعالقات المكان مع العناصر البنائية في النص الروائي، كتعالقه بالزمان (الزمكان)، و تعالقه بالشخصيات، و تعالق المكان الواقعي بالمكان الروائي التخييلي، كذلك تعالقه مع عناصر تزيينية يتمظهر من خلالها كالوصف، ومن خلال البحث في هذه التعالقات  ستتحقق العديد من النتائج، حيث ستتضح أهمية عنصر المكان كمكون أساس،  و فاعل حقيقي، و ربّما متحكّم في مصائر شخوصه، و موجه لسير الأحداث في النص السردي بشكل عام، و في النص الروائي بشكل خاص.

1_ تعالقات المكان بالعناصر البنائية للنص الروائي.

أـ تعالق المكان بالزمان.

       إنّ العلاقة بين الزمان و المكان علاقة وجودية، ولازمة وجود أحدهما وجود الآخر، فـ( المكان تجسيد للزمن، و تجلّيه الأبرز و الأشهر)[8]، و بما أنّ الزمن يعتمد على تمظهره في الأشياء، من إنسان و مكان، نجد تعالقه الكبير بالمكان لما له من حضور و تجلٍ و تأثير من خلال حركته الدؤوبة، و تحويله الأمكنة بمختلف أنواعها التي يعيش فيها المرء منذ ميلاده إلى أماكن تحمل ذكرى زمن مضى، فيسرد تاريخ المكان مرتبطاً بذلك الزمان، فيقول : "كان يا ما كان في قديم الزمان، في سالف العصر و الأوان..."، و ذلك ليطرح تاريخ المكان مرتبطاً بالزمان الماضي.

       كما نجد أنّ ملامح المكان تتبدى و تتضح من خلال الزمان ؛ فهو ( يعطي المكان ملامحه و أشكاله التي تختلف من عصر إلى عصر، و من حضارة إلى أخرى)[9]، فكلما جاء ذكر تاريخ زمني، جاء ذكر مظاهره، و تشكّلاته الواقعة على المكان و على الأشخاص، مما يجعل الزمان و المكان مندمجين   و متبادلين للتأثير بينهما، فنجد استحالة تشكل المكان خارج حدود الزمن، كما أنّ الزمن يستحيل تمظهره و تجلّيه بلا مكان أو شخوص.

       و في النص الروائي نلتقط الحضور المجسّد لكلا العنصرين (الزمان  و المكان)، و في شبه سيمفونية متناغمة، حيث يحضر وصف المكان الذي سيكون وعاء للأحداث مثلاً لتأتي بعده الحركة السردية لتؤكد حضور الزمان في المكان، و ذلك ليكتمل الوعاء بكامل زخارفه المكانية و الزمانية، و لتكتمل معالم و هيكل الفضاء الروائي. و يمكننا القول، إنّ هذا التعالق و الحضور، نجده بارزاً في مختلف النصوص الإبداعية العربية و العالمية، و خير مثال على ذلك روايات الكاتب نجيب محفوظ، حيث ترتبط في مجملها بمدينة القاهرة كفضاء روائي، و تتحرك الأحداث في فترة زمنية يحددها الكاتب، فهي تكون متلائمة مع خط سير الأحداث، و كذلك الروايات العالمية كرواية البؤساء لفيكتور هيجو، و مدام بوفاري لفلوبير، و كأنّ الزمن بتعالقه بالمكان يضفي على المكان التخييلي الصورة الواقعية التي يحتاجها الكاتب لنصه.

       و في المدوّنات الروائية قيد البحث، نجد أمثلة بارزة على هذا التعالق، فمن خلال رواية "البيت الدافيء" للكاتبة خولة القزويني على سبيل المثال، حين تشرع في رسم المكان الروائي، و ذلك بتحفيز الشخصية الرئيسة (ميساء)، فنجدها تقول :

(استيقظت ميساء هذا الصباح متثاقلة، ثمة قوة تشدها إلى الفراش، تثاءبت و هي تتقلب بتكاسل، انتبهت إلى ثياب زوجها قد استبدلها بثياب الخروج، صمتت تبحلق في فضاء الغرفة)[10]  

      لقد أومضت لفترة زمنية (الصباح ) و عالقت به حالة الشخصية الرئيسة،  و وجودها المكاني (الفراش)، و لتنطلق بهذا التواجد المكاني، و في هذا الوقت الزمني، لتكشف عن خبايا شخصياتها، و تومض إلى الأحداث القادمة، فهي بهذا التعالق للزمان و المكان، تدخل في سياق أحداثها مسلّحة بأولى خيوط نصها، و تسلّح قارئ النص بذات الأدوات التي تُمَلِّكُهُ الوعي التراكمي بالنص. و هذا مبتغى أساس ينشده الكاتب، لذا نجد التعالق حاضراً في النص الروائي، و ذلك

(لأنّ المكان لا تتجلى أبرز صفاته الجماليةإلاّ من خلال الزمان والإنسان)[11].

       كما نجد هذا التعالق يتحقق في شبه لقطة فوتوغرافية للزمن، حين يُفصح عنه بساعة زمنية معيّنة، و من ثم ينطلق في شبه فيلم سينمائي لرسم معالم المكان في ظل هذا الزمن، ففي رواية "يحدث أمس" للكاتب إسماعيل فهد إسماعيل، نلحظ تحقق هذا الأمر، حين يقدّم الزمن بلقطات :

( الأضواء الأمامية الكاشفة لسيارة الأجرة التي تقلّه تخترق حجب الظلام )[12].

و يقدمه في لقطة أخرى : ( الطريق تخلو من أيّما سيارة أخرى في مثل هذه الساعة المتأخرة من هذا الليل)[13]

ومن ثم يفسح المجال لحركة السرد في المكان، ليرسم جزئيات الفضاء الروائي :

( غابات النخيل تترامى حيث لا حصر، و لا ترى منها ـ خلال الأضواء الكاشفة ـ غير جذوعها العملاقة لدى اصطفافها على جانبي الطريق)[14]

       إنّ هذا التعالق يؤدي إلى تراكم الصُّور، و تراتب الكم المعرفي لدى القارئ، مما يحفّزه على الفعل القرائي، و هنا يصبح للمكان دورٌ فاعلٌ في تشكيل الوعي الإنساني و إلى جانبه، إنّه (يشكل الموروث الثقافي للأعراف، و التقاليد، و العادات، و السلوك، بل و مَلَكة التخيل لدى الفرد و الجماعة )[15].

        و في هذا النص عينه "يحدث أمس"، نجد دورة الزمان اللانهائية في المكان، و ذلك من خلال جدلية البداية و النهاية، حيث تتكرر البداية في نهاية النص الروائي، و هذا التكرار ليس من أجل تسليط الضوء، و رؤية ما سبق رؤيته، بل ليصبح الغياب للبداية حضوراً في نهاية النص، و( يتحوّل النص إلى دائرة مستمرة الجريان، أو إلى دورة من دورات الحياة اللانهائية في المكان )[16].

 

ب) تعالق المكان بالشخصية.

       إنّ الأمكنة الروائية تأتي مرتبطة بالشخصيات، بل إنّ المكان هو طريق يؤدي إلى فهم الشخصيات، و ما تحمله من أفكار و مشاعر و هموم، لذا يتم بناء المكان وِفْقَ حاجة الشخصية، و تتم هندسة المكان الروائي بحيث تتلاءم مع الصفات، و التحديدات النفسية، و الجسدية للشخصية، فلا يُعْقَل أنْ يقوم الكاتب برسم معالم مكان روائي كالحرم الجامعي، ويضع فيه شخصية خبّاز، و لكن السياق البنائي للمكان أدّى إلى فهم معيّن، و وعي ما، يحتاج إلى شخصية تتناسب مع هذا الفهم، و مع هذا الإدراك، من هنا عَدَّ الكاتب حسن بحراوي المكان الروائي (كما لو كان خزّاناً حقيقياً للأفكار و المشاعر و الحدس، حيث

 تنشأ بين الإنسان و المكان علاقة متبادلة، يؤثر كل طرف فيها على الآخر)[17]

 من هنا نجد أنّ المكان ذو علاقة وشيجة بالشخصية القاطنة فيه، يؤثر فيها كما تؤثر فيه، و هذه العلاقة أكثر ما تكون علاقة نفسية، تثير إحساساً بالمواطنة،  و الارتباط بالجذور و الألفة و الحميمية، التي تجعل الإنسان مع المكان يتعالقان بحبل سري يوصل بينهما.

        كما يمكننا القول : ( إنّ الفضاء الروائي، يمكنه أن يكشف لنا عن الحياة اللاشعورية التي تعيشها الشخصية )[18]، و هذا من الميزات التي تحقق الكشف عن جوانب خبيئة، يسعى الباحث للوصول إليها، لإبراز جوانب النفس الإنسانية   و مدى أثر المكان عليها.

       إنّ كثيراً من الوعي يتشكل حول الشحصية بماضيها و حاضرها و (يوشك أن يكون جزءاً من وعينا بماضي المكان )[19]، و حاضره، من خلال تمظهر الشخصية الملائمة في المكان الملائم، من هنا نجد أنّ كلا العنصرين لا غنى لأحدهما عن الآخر، و كل منهما بحضوره في النص يشكل وعياً بالآخر.

       لقد عُدَّ المكان جزءًاً أساسياً مشكّلاً للشخصية الروائية في الكثير من الروايات، و على رأسها روايات نجيب محفوظ كرواية "الطريق" و "اللص و الكلاب" و "الشحاذ"، حيث (إنّ السجن ـ فيها كمكان ـ ليس مجرد إطار مكاني لحدث من الأحداث، و إنّما هو شخصية من أهم شخصيات الرواية، و بُعْداً من أبعادها المعنوية )[20]، و ذلك بأنه لم يجعل السجن إطاراً مكانياً تجري داخله الأحداث، بل جميع الأحداث تجري بين الخروج من السجن، و العودة إليه.

       و إذا ما عدنا إلى النص الروائي الكويتي، نجد التلاقح الكبير بين المكان، و بصورة أوسع بين الفضاء الروائي و الشخصيات، ما يجعل من كلا العنصرين وجهان لعملة واحدة، فما دامت هذه الأمكنة حاضرة، كان لا بدّ من حضور الإنسان الملائم لذلك الفضاء الروائي، مما ولّد صورة من صور الواقعية العذبة، التي ترقى بالمتلقي إلى الوعي و الإدراك بما جرى في هذه الأفضية، و ما مرّت به الشخصيات، فيراه متجسداً بصوته و صورته في النص الروائي، و هذا بالضبط ما قامت به الكاتبة فوزية شويش السالم في رائعتها "النواخذة"، حيث شكل الصوت عنصراً موازياً للصورة ؛ فهي ( تلجأ إلى النغم الميلودرامي العالي ـ محاولةـ ترجمته بالحروف المتكررة الممدودة، حتى تنقل إلى القارئ حس هذا الهول)[21]. الذي تعيشه شخصيات الرواية، أو الفضاء الذي يُغلّف هذا النص.

       و إلى جانب هذا التشاكل الفني بين المكان و الشخصيات في رواية "النواخذة"، نجد مجمل النصوص الروائية الكويتية، و بشكل خاص الروايات

 التي احتضنت حدث الكويت الأكبر، و هو الغزو العراقي للكويت، حيث يتعالق المكان بالإنسان بصورة حميمية، ينصهر فيها الإنسان، و يذوب من أجل البقاء، و السيادة  و الحرية للأرض، و كأن وجوده لا قيمة له خارج المكان الذي ارتبط به.

ج) تعالق المكان الواقعي بالمكان التخييلي.

       يواجه الكُتّاب تحدياً كبيراً في مجال العمل السردي، حينما يكون على عاتقهم تحويل العالم الواقعي إلى عالم من التخييل، فـ ( الخيال يشكل ضرورة حيوية للروائي ليس فقط من أجل جماليات الرواية، و إنّما لكونه يفسح المجال لنسج حيوات خيالية، تعلن رفضها للحياة الواقعية، و انتقادها لها )[22]، إلى جانب أنّ التخييل يزوّدنا كمتلقين بحساسية، و يجعلنا أكثر تيقظاً حيال محدودية الحياة، و هذا ما لن يتحقق فيما لو اعتمد الكاتب على العالم بواقعية بحتة، ترسم المكان بشخوصه و أحداثه و زمانه، في صورة تجعل منه مؤرخاً و موثقاً لما هو كائن و ليس مبدعاً يخلق عالماً وفق رؤيته، و يصنع فضاء لما يأمل أن يكون.

       و لكن، على الرغم من كل هذا، لا بد للمتلقي، أن ينظر إلى ما يرد في

 العمل الروائي بشيء من الحذر[23]، لأن ما يورد في النص قد لا يكون حقيقة فعلية، بل  حقيقة جاءت من وجهة نظر الروائي، و هذا عينه ما يؤكده بيرسي لوبوك في قوله :( إنّ الرواية يجب أن تبدو حقيقية، و أن ليس هناك حقيقة في غياب المنطق، و ليس هناك سلطة وراء الرواية )[24]، و هذا ما يسعى الكاتب لتحققه من خلال مزاوجته بين الواقع كما يراه، و بين ما يأمله و ينشده، و هذه المزاوجة ستثمر واقعاً جديداً، و قراءة أكثر تطوّراً للواقع.

       من أجل هذا، يلجأ العديد من الكتاب إلى معالقة المكان التخييلي في الرواية مع المكان الواقعي، و ذلك لبث روح الحقيقة و الواقعية، التي تغوي المتلقي، و تسلبه نحو النص، متوهماً الحقيقة،و هذا هو مرمى التعالق ( ذلك أنّ التخيل الذي يكونه، لا يكون فعّالاً ـ قابلا للقراءة ـ ما لم يتحل بمظهر الحقيقة)[25]. لذا نجده ـ الكاتب ـ يزاوج بينهما في شبه توليفة (يحس المتلقي ـ معها ـ بانتفاء الحدود بينهما، و يعيش الكذبة، كما لو أنّها حقيقة، عندئذٍ، يبدو الوهم وصفاً أشد تماسكاً للواقع )[26].

      و من أهم الأسباب التي تدفع بالكاتب إلى هذه العلاقة بين الواقع و التخييل في النص الروائي، هو سعيٌ إلى (تقديم لوحة اجتماعية أعرض تنطوي على علاقات اجتماعية، و أنساق بنائية متشابكة، و على رؤى فلسفية متكاملة )[27]، تنقل الخيال في شبه انعكاس لهذه العلاقات، و الحياة الاجتماعية، مما يُوجِد حالة من الإقناع لدى المتلقي، إلى جانب ( أنّ الموضعة تعني إضفاء الدرامية على الفضاء. فالمكان الذي يُجعل لرواية من الروايات، يشد الاهتمام إلى الدراما،  و إلى ما يتغذى عليه ذلك الاهتمام )[28]، مما يدفع القارئ إلى النص باهتمام،  و بشوق إلى التواصل، و استكمال عناصر الحبكة الروائية، التي ستنهض بالعمل الروائي.

       و بموازاة هذه الأسباب، نجد أنّ للمكان ( آثاراً سيكولوجية على الإنسان،  و دوره في تكوين المعاني العاطفية للمواقع و الأماكن )[29]، و هذا مما يشكل حافزاً على الفعل القرائي.

       و من الأسباب الأخرى التي تدعو إلى مزج المكان الواقعي بالتخييلي، هو دفعٌ لأن يكون المكان الواقعي بمسمياته و أحياناً بشخوصه، دعامة للدلالات التي تحملها النصوص الروائية.

       و يحضر المكان بتعالقه في النص الروائي، وِفْقَ مستويات مختلفة ؛ فمن

 كاتب يواتر به في الرواية بصورة كبيرة، ترسم فضاء شبيهاً بالفضاء الواقعي، و خير مثال على هذا الأمر، سباعية الكاتب إسماعيل فهد إسماعيل "إحداثيات زمن العزلة"، حيث تتحول أغلب أحياء الكويت و شوارعها، إلى مادة لخلق فضاء الرواية، مما يجعل الصراع يشتد في ذهن المتلقي ؛ فهل إنّ الأمكنة المذكورة و أحداثها و شخوصها هم عينهم ما تمت لهم الرواية، أم هم محض اختلاق من الكاتب الروائي و لكنه في مجمل الأمكنة نجده يرسم طوبوغرافيا فضاء الكويت بما يشبه التوثيقية و التاريخية، غير أنّ التاريخ كما يرى الروائي العراقي فؤاد التكرلي (يسجّل العبور اللا منتهي للحشود الزمنية، و هي تقطع الزمن، أمّا الرواية فتقوم بمهمة تبدو نقيضة، هي الإمساك بوجود الفرد الإنساني على صفحة الأيام، فتجعل منه مقيما لا عابراً على خلاف ما يفعله التاريخ أو المؤرخون )[30]، و قد تمكن  الكاتب إسماعيل فهد إسماعيل من اقتناص هذا الخيط الرفيع الذي هو ـ حياة شخصية سلطان ـ لتكون بؤرة الضوء، و منطلقاً لتدفق الأحداث في المكان، بما أخرجها من حيز التوثيقية الصرفة إلى حيز الروائية الشفيفة . و لعله يمكننا القول، إنّ المكان بتوثيقيته رافق مُجْمل الإبداعات[31] التي جاءت لتجسد فعل الغزو العراقي للكويت من خلال المكان، فيما عدا رواية "جراحات الزمن الرديء" للكاتبة خولة القزويني، حيث نجد المكان الواقعي يغيب من تحديده الصارم إلى حضور ضبابي، ليبقى المُتخيل هو الأساس. كما نجد في رواية "جنكيز خان تحت الأبراج" للكاتب عبداللطيف خضر الخضر، يكون التركيز على الحدث الجاري في الأمكنة بشكل عام، و ما مجيء مسمياتها في النصوص الروائية إلا لتكون دالة على أن الحدث يختص بها، فحمولة الأمكنة إذا شكلية، غير فاعلة و مساهمة في تشكل الحدث.      

       من خلال التعالقات السابقة، يمكننا القول : إنّ الرواية الكويتية في فترة التسعينيات، تعاملت مع عنصر المكان بتعالقاته المتنوعة بتقنية فنية تخدم النص الروائي، عوضاً عن جعله إطاراً خارجياً للنص، إلا في بعض النصوص التي يتعالق فيها المكان بالوصف بصورة لا تخدم النص بل تخدم فكرة الكاتب، الذي يهدف إلى رسم المكان من أجل حفظه في الذاكرة، و في الإرث الوطني البعيد عن حاجة النص لهذا الوصف المليء بالتفاصيل، التي لا يُسهم توظيفها في الارتقاء بالوعي بالنص و أحداثه، و شخوصه.[32] 

2) تشكيل الفضاء الروائي.

       يتخذ الكُتاب نسقين بارزين في تشكيل فضائهم الروائي، و هما : الانطلاق من الإطار الكلي العام إلى الجزئيات، و الآخر ينطلق من الأجزاء و التفصيلات إلى الكل، و قد اعتمدوا في تشكيله على الوصف كأداة إجرائية تنهض بالفضاء،  و تشكله في أوضح و أجلى صوره، فعالم الرواية لا يحتاج إلى نقل الواقع من خلال الوصف البحت، الذي سيعدّ عرضاً و ليس وصفاً، و لكنه بحاجة إلى خلق واقع شبيه بهذا الواقع، فالوصف (تصوير ألسني موحٍ يتجاوز الصورة المرئية)[33]، إلى صورة يُكْشَفُ من خلالها اللا مرئي، و اللا محسوس، فيتجسد في صورة الواقع، و هذا يخلق لدى القارئ منظوراً للفهم، يلوح له أنّ ما بين يديه هو الواقع تجري حكايته، فيلغى من ذهنه التخييل و الفنية، بينما يكونان هما في أوج نشاطهما.[34]

       من هنا نجد مراوحة الكُتَّاب بين النسقين معتمدين الوصف في وظائفه المختلفة ؛ فمن وصف تزييني شكلي لا يسهم في الوعي بالنص، كما يحضر في روايات عبد اللطيف خضر الخضر، مروراً بوصف ( يساعد على الفهم )[35] كما في روايات فوزية شويش السالم، و وصولاً إلى وصف يُقصد به ( إلى القبض على التعبير المنفلت عن الحياة العميقة )[36]، التي تعيشها شخصيات النص، مما يولد الوصف حالة من العمق و الرؤية الأقرب إلى الصدق كما في روايات إسماعيل فهد إسماعيل.

أ) الانطلاق من الإطار الكلي للمكان إلى الأجزاء.

       لقد اعْتُمِدَ هذا النسق في تشكيل الفضاء الروائي من قِبَل الكاتب عبد اللطيف خضر الخضر، حيث نجد تشكيل الفضاء يبتدئ بصورته الأعم، و ذلك بعرض الفضاء باتساعه، و بأمكنته المتعددة في مستهل العمل الروائي، معتمداً عليها كمدخل رئيس للنص، و بعد وضعه في سياقه العام، تأخذ صورة الجزئيات المكانية الشكلية، التي تُكمل الإطار العام للفضاء بالظهور كأدوات تدعم الكل الموصوف، و ترقى بالحدث السردي، ففي رواية "أحلام في مهب الريح"، نجد عبد اللطيف خضر الخضر، يشكل فضاءه الروائي بشكله الكلي في أربع عشر صفحة هي عدد صفحات الفصل الأول، فيتعرض لمدينة القادسية و من ثم لأحد أحيائها، و يليه أحد بيوت هذا الحي بأمكنته المتنوعة، و بهذا يضع القارئ في السياق العام للنص، و من ثم ينتقل للأحداث، و الشخصيات القاطنة في الأمكنة.

       و في نصه الآخر "و جنحت الشمس إلى المغيب" نجده، يصف الفضاء الكلي الذي ستدور فيه الأحداث، و هو جزيرة فيلكا، و موقعها الجغرافي، و من ثم ينتقل ليرسم حياً من أحيائها، ببيوته، و من ثم ليقف على وصف مكان الحدث، و هو منزل الحاج شملان، بمرافقه و حجراته.

       لقد عدّ هذا النسق من الأنساق التقليدية، التي تعتمد الوصف المكاني مدخلاً أساسياً لبناء المعمار الروائي، الذي صنّف في مرحلة متقدمة على أنّه مجرد إطار تزييني تكميلي تسجيلي، و في الرواية الكويتية، اعتمده الكاتب خضر الخضر لتوثيق الأمكنة الكويتية القديمة، قبل قيام الدولة، مما جعل منه متقصّياً، يصف كل ما تقع عليه عينه، مما لا يخدم النص، و يخرجه من الفنية إلى التوثيقية.

ب) الانطلاق من الجزئيات وصولاً إلى الفضاء الكلي.

       إنّ تشكيل المكان من خلال جزئياته، و أحيازه المتعددة، وصولاً إلى الفضاء الروائي، اعتمدته الرواية الجديدة، فالفضاء بكلّيته يتشكل كفن الفسيفساء من قِطع متجاورة، تكاد تكون ضبابية لوحدها، لا توضح رؤية للمكان، و لكن بتجاورها في قالب واحد ترسم صورة كلية للمشهد الروائي ؛ فالوصف لا يأتي بصورته المتكاملة للمكان، بل كما يقول جيرار جنيت : ( سيعمد الروائي إلى تجزيء ذلك الوصف، فينتقي منه بحسب ما يستدعي نمو النص )[37]، و أمّا ما هو خارج حدود تنامي الأحداث، و حركة الشخصيات، فتقع عليه التعمية، و تطمس معالمه، فلا يعود له وجود ؛ فالروائي في هذا السياق يرافق الشخصيات في تنقّلاتها، و يأتي بالوصف المكاني متخللاً السرد، و الأزمنة الفاعلة، بما يجعل المكان عنصراً أساسياً تكوينياً يندمج في عناصر النص، بحيث يمنحها القوة التي تحتاجها، لتصل إلى ذهن المتلقي، و كأنها حقيقة لا مجال للخيال ليلعب فيها، و بهذا يكون المكان قد تخلّى عن سلبيته إلى دور إيجابي و فاعل حقيقي، قد يبلغ به الأمر إلى حد التحكم في الأحداث.[38]

       و بالعودة إلى النص الروائي الكويتي في فترة التسعينيات، نجد أنّ العديد من الكُتاب اعتمدوا فسيفساء المكان في بناء معمارهم الروائي، فهو يتشكل مع الأحداث و الشخوص بما يخدم النص، و يرقى بمستوى الإدراك به، و خير مثال رواية "ظل الشمس" للكاتب طالب الرفاعي، فهو ينهض بالمكان منذ مستهل النص، من خلال الضجيج الذي تستشعره الشخصية من طنين محركات الطائرة، فارتبط المكان بالشخصية، و أدركناه مندمجاً بها،  ومن ثم يعرض لضيق المساحة المكانية في الطائرة، و ليقف بها على ضيق المساحة في منزل والده، مما أدى إلى توتر الشخصية، و مما جعلها تخرج من هذا المكان الذي تصعب الحركة فيه، إلى حركة ذهنية تفصح عن تأزّماتها، و حنقها على الوضع المكاني الصعب، فيقوم الكاتب برسم الأمكنة بجزئيات مناسبة لتطور الأحداث، و بما ينمي من شخصياته، فالعناصر جميعها تتشكل في آن واحد ؛ فهو في هذا النص كالفنان التشكيلي الذي يرسم بريشته في كل ناحية، حتى يصل في الختام إلى اللوحة بشكلها النهائي.

       و المتمعن في النص ذاته، يجد أنّ الوصف قد انحسر عن المكان بصورة كبيرة، و لم يرد إلا في جمل مقتضبة من نوع (يسجنني ضيق المقعد، ضوء الغرفة الأصفر المريض، ممر الطائرة الضيق، حماماً صغيراً،النافذة الصغيرة). لقد جاءت الأوصاف لترقى بالأحداث و بالشخصية، و ليكون سقوط الشخصية في مستنقع الخطأ نتيجة التراكمات النفسية  فيما بعد مبرراً. فالوصفين (الضيق ـ الصغر) كانا يشكّلان في كافة منعطفات النص قمة الوصف المكاني، و كذلك الوصف الزماني ؛ فهو ما يفتأ يقول بضيق الوقت، و قمة الوصف للشخصية ؛ فهو يدور في فلك الشخصية و ضيقها من وضعها، بالنتيجة، كل هذا ولّد إحساساً مغايراً بالنص، إحساساً يرقى إلى حد التعاطي مع الشخصية، و قد ينفلت المرء من عقاله ليقول للشخصية، ما هكذا يكون الخروج من المأزق. و هذا أعلى من وتيرة التفاعل مع النص ؛ فالأوصاف المكانية برغم اقتضابها، و انثيالها من خلال مختلف عناصر النص، رفعت من مستوى التعاطي مع الشخصية، من قبل المتلقي، و هذا يعدُّ قمة الفنية الروائية.

       و كذا الحال في رواية "يحدث أمس" للكاتب إسماعيل فهد إسماعيل، نجد المكان يحضر و إنْ بمساحة أكبر من رواية "ظل الشمس"، فالمكان ترتسم صوره الجزئية في أروقة النص، بدءاً من عودة سليمان إلى مدينته (البصرة)، فيتشكل المكان في بؤر استذكارية، تخصّبها منعطفات الطريق، فهو يصف الاخضرار المترامي بين جانبي الطريق، كاخضرار روحه التي تتوق إلى رؤية الأرض، و الأهل و الأحباب ؛ فالمكان متلازم مع تشكلات الشخصية، ملازم لها بانسيابية الحصيف، الذي يدرك أهمية التعالق بين الشخصية و المكان.

       المكان في نص إسماعيل فهد إسماعيل، يسهم في خلق المعنى داخل الرواية ؛ فهو أداة تعبيرية بامتياز عن موقف الشخصيات من العالم المحيط، برغم ضعف الشخصيات أمام الأمكنة إلا أنّ روحهم، و ما يجول بها يخترق حدود الأمكنة، فالتأمل في فضاء السجن، بوصفه عالماً مفارقاً لعالم الحرية خارج الأسوار، شّكل انطباعاً لدى القارئ/المتلقي، يتعدى حدود النص،  و يؤدي وظيفة دلالية تتجاوز الحدود الشكلية إلى معانٍ تأويلية متعددة، فما بين الاخضرار، و النور، و بين الأسوار و الظلمة، معانٍ عدة، و ما بين الفضاء بشساعته في وادي الخصيب، و بين المكان المنغلق بضيقه و عتمته في السجن، دلالات عديدة، تتراكم منذ الصفحة الأولى في النص وصولاً إلى الصفحة الأخيرة، فتتراكم الدلالات، وتتشكل المعاني بتعدد القراءات، و هذا ما يجعل للنص حياة إضافية مفترضة، بتعدد القراءة الفعلية ؛ فالقراءة الأولى ترسم دلالات، و تُشكل رؤى، بينما تكرار القراءة تشكل تأويلاً و بعد نظر يستقيه المتلقي من جزئيات المكان المتراكمة، و من تكشفها بعد ضبابيتها، مما يمنح النص وجوداً معمقاً في عالم الإبداع الروائي.

       بينما نجد رواية "مساحات الصمت" للكاتب حمد الحمد، تعتمد المكان كبؤرة لتحريك الأحداث و الشخصيات، فـالجمهورية العربستانية[39]، هي مقر لمجمل الأحداث، فهي لا تحتاج إلى وصف شكلي عنده، بل إلى وصف الممارسات و الأفعال، التي تمارس فيها ليُدرَك حقيقة هذا المكان، و ما شخوصها و حركتهم و أفعالهم و أقوالهم إلاّ رسم للمكان، فالمكان من خلال مسماه حقق الدلالة المطلوبة، و تبقى التوصيفات الشكلية بعيدة عن مرمى هدف الكاتب إلا في أحايين، و ذلك من قبيل ذكره، لوقوف أبناء الحي فوق سطوح منازلهم لذكر شكواهم لقمر أحرار التابع لمنظمة حقوق الإنسان، فأدوات المكان عنده شكلية من أجل تحقيق الفكرة التي يسعى لتقديمها، بالرغم من استعاضته عن الواقع بالرمز من قبيل مملكة النمل التي تنخر النخيل[40]، إلا أن رموزه لا تحتاج إلى كثير من التأويل، و ذلك لافتضاح الرمز من سياق الأحداث، بأقوال و أفعال الشخوص، و هو يبرز من خلال لفظة "مساحات" التي تضمّن العنوان، و يكشف الأمكنة التي يغلفها الصمت، فهي لا تحتاج إلى وصف لأنها مساحات شاسعة لا يمكن إدراكها، إلا ببعض الممارسات من قبل شخصيات النص.

       و في نصوص الروائية خولة القزويني، نجد المكان مهمّشاً، لا تتضح حدوده أيضاً، و لكنه ليس من أجل أن يحضر بأفعال الشخصيات فيه أو بتطور الأحداث فيه، كما في رواية حمد الحمد بل لعلّه (تمسك خولة القزويني بالطابع الإسلامي و السياسي جعلها تتجنب تحديد مكان الأحداث )[41]، و ذلك تجنباً للرقابة أو المساءلة ؛ فالقارئ لا يتحقق من المكان بقدر ما يتحقق من الشخوص، فالمكان يبقى في حدود بلاد العالم العربي، الذي تتنوع فيه الصراعات و تتعدد، و لعلّ ما يدفعها لإقصاء المكان هو الانشغال بالأيديولوجيا المتناقضة، التي تهدف إلى التركيز عليها في مختلف نصوصها.

3ـ أنواع المكان.

       يستخدم الروائيون في تصميم الفضاء الروائي، العديد من الأمكنة، التي يجدون فيها استحضاراً لمعانٍ مشتركة مع الواقع، لكنها تتسم بالخصوصية في الوقت ذاته، فالكاتب يسعى لاختيار المكان الذي يمتلك حساسية ما، و تكمن فيه ( الخصائص التي تعمل على تنشيط التعبيرات الرمزية عن الذات، و عن ذكريات هذه الذات، و طموحاتها، و خيالاتها )[42].

       من هنا نجد أن اختيار المكان لا يتم عشوائياً، أو طارئاً، بل ينتقيه الكاتب، و يوفق بينه و بين بقية عناصر النص الروائي، ليحقق مقاصده المتعددة من العمل، فالمكان ( يدخل في بناء العمل الروائي بوصفه فسحة خلاّقة تقدّم تفاعًلاً ملموساً مع شخصيات العمل نفسه، و فضاء تتمحور فيه الأحداث التي تجري من خلال الحوارات و الوصف )[43]. لذا كان على الكاتب أن يجعل من المكان بؤرة وضّاءة تجذب العناصر الروائية في فلكه، و ترقى بحضورها من خلاله، و تنهض بدورها منفردة و من ثم مجتمعة.

       و في النص الروائي الكويتي، نقف على نوعين من الأمكنة التي تحرك في إطارهما  العنصري المكاني، و هما :

 أـ الأماكن المفتوحة، و ب ـ الأماكن المغلقة : و سوف أقف على عدد من

 الأمكنة المفتوحة، و من ثم على عدد من الأمكنة المغلقة، ليتضح من خلالهم الدور المنوط بهم للنهوض بالنص الروائي بأحداثه و شخوصه.

أ ـ الأماكن المفتوحة.

       تتنوع الأماكن المفتوحة المطروحة في النصوص الروائية بحسب الزمن الذي اتخذته، فالروايات التي اعتمدت الزمن الماضي في الكويت، تعاملت مع العديد من الأمكنة المفتوحة كالبحر و الصحراء، بينما نجد هذين المكانين المفتوحين ينحسران في النصوص التي اختارت كويت الحاضر، فتحضر الكويت بشوارعها و طرقاتها، و لعل الحركة الاقتصادية و التطور العمراني الحاصل في البلد، كان هو الموجّه لتعاطي الإنسان الكويتي مع أمكنة أخرى، و بالتالي يصوغ الكاتب أمكنته بحيث تتلاءم مع الواقع المزمع استحضاره في النص الروائي، و سنقف على أهم الأماكن المفتوحة في النصوص الكويتية، و هي :

* البـــحر.

       شكل البحر رديفاً للصحراء في المنطقة الخليجية، فما إن يستقر الإنسان في الأرض، حتى يحن إلى البحر، سواء للصيد أو للغوص أو للتجارة، كان الاتصال بينهما لا ينفك، إن في العيش، أو في المصير.

       لقد كان البحر بالنسبة لإنسان الخليج الأمل، و به يضمن رزقه، و رزق عياله و خيره و رخائه في رحلات غوص تطول بحثاً عن اللؤلؤ. كان يعيش الأمل أياماً و ليالي، يغيب شهوراً طوالاً محملاً به، و في موازاة هذا الأمر، كان يعيش الألم و القهر في خضم البحر، فالغموض، و المخاطر تُغلّف أوقاته، و الموت يتربص به من كل زاوية، و في شدة الصراع، و ما بين الألم و الرجاء، عاش الإنسان الكويتي حياته رغِداً أياماً، و يجلله الخوف و الترقب أياماً أخرى.

       لقد عُدّ البحر بؤرة يدور حولها الإنسان الكويتي، فيتحرك مصيره في رحاه، و جاءت الرواية الكويتية راسمة هذا المكان بانفتاحه اللامتناهي في رائعة فوزية شويش السالم "النواخذة"، التي عدّت ملحمة البحر لما يتجلى بها من سخاء البحر و عطائه و علاقته بالإنسان في أبهى صوره، فالبحر رئة المدينة القابعة بمحاذاته، يُسري الحياة في عروقها، و يملؤها بالصخب و النشاط :

( الميناء قلب المدينة الدقاق، الغاص بالسفن الشراعية و التجارة...

البضائع، البحارة، النواخذة و المعدات...

المتحرك بكل الأدوات و المُحرِّك لكل النشاطات... الداب في كل الأوقات... الهائج و المائج... الحرك و النشيط. قلب المدينة الصاخب و بندولها الرنان

لا يهدأ... لا يتوقف... لا يستريح )[44] 

فالحركة فيه، و معه تمد و تجزر، يقاذفهم يمنة و يسرة، يسوق أقدارهم  و حياتهم حيث يشاء.

       كما جمعت الكاتبة بين متناقضات الحياة التي يلقاها البحار في توليفة حاذقة، ترسم الفرح الذي يحصده البحار في أبهى صوره، حين يحصل على الدانة، التي هي حلم البحّارة الكبير[45]، و من جانب آخر ترسم الحزن و الألم، و المعاناة التي يجنيها البحار، و المشاق التي تسربل نهاراته، في لجّة البحر، حيث القروح و الجروح ألبسته،  و الأمراض و الأوبئة أرديته، فهو إذا مكان مضمخ بالنقائض، عاش فيه البحّار كالملك حيناً، كما هو الحال لأبراهيم العود، و عاش فيه عبداً وضيعاً كما هو الحال لسعود[46] صغير البحّارة.

       لقد شكّل البحر المكان المفتوح الأكبر في رواية النواخذة، الذي كانت حمولته تدور في تعالقاته مع الإنسان الكويتي في كل أطوار حياته.

      رسمت فوزية شويش البحر في أوجهه المختلفة، فمن واهب الحياة،

و واهب الرزق، و لكنه في الآن ذاته متوحّش، يفترس الحياة و الأرزاق،  و كأنّ الأمان الذي يمنحه البحر، يأبى أن يكون أماناً دائماً، حتى يتحوّل إلى خوف و فزع، يتغلغل في الصدور و الأرواح.

       كما موضعت الكاتبة شخوص المكان كلٌّ في موضعه، النوخذة، البحّار، القلاّف، التاجر، بما يتوافق مع أوضاعهم، و وَشَّتْ أمكنتهم بخيوط الواقع الممزوج بالتخييل، الذي يحقق المتعة و الواقعية في الوقت نفسه.

       إذاً، شكل البحر الفضاء الروائي في رواية "النواخذة" من خلال شخوصه  و أدواته، فحينما تَعْرِضُ البحر، تعرض لأداته اللصيقة، و هي السفينة في شبه تلاحم، و بهذا رسمت الكاتبة ملامح مكان لا يزال متشبثاً بالذاكرة الخليجية، و متصلاً بحاضرها، يأبى الانفكاك منها، كما رسم الكاتب حنا مينا روايته "الشراع و العاصفة"، و فيكتور هيجو "رجل نبيل " و أرنست همنغواي روايته "العجوز و البحر"، جاعلين من البحر الفضاء الأمثل لمعانقة أحداث و شخوص نصهم.

 

* الصحــراء.

       شكلت الصحراء اللازمة الثانية من لوازم الإنسان الخليجي، الذي عاش فيها تناقضات المشاعر و الأحاسيس، كما عاشها مع البحر. لقد عدّت المهد الذي يحتاج إلى تطويع، و الوحشة و الكرب الذي يحتاج إلى من يتغلب عليه، لذا جاء الحب بين (عبدالله) و (نايفة) في رواية النواخذة كرذاذ لجفاف الحياة الصحراوية، آثرته (نايفة) برغم تعلّقها بالأرض، و لكن العادات و التقاليد السائدة في قلب الصحراء، جعلتها تأنف الجفاف و اللهيب المسعور الخارج من فوهة الصحراء  و تهرب إلى حيث الماء، و ملوحة الحياة بمحاذاة البحر.

       لقد جاءت بالصحراء في رواية "النواخذة"، في شبه نقيض بين الأمكنة المفتوحة على ساحل الخليج، حيث شكّل البحر قمة الجذب، و شكّلت الصحراء قمة النفور و الهرب، و لعل ما يسود حياة الماضي من صعاب، تجعله ينتقل إلى ما يحسب أنه الأرحم، فما يفتأ أن يجد أنّ الطبيعة هيَ هيَ، لا تتغير سوى في هيأتها الخارجية.

* المــدينــة.

       إنّ المدينة بشوارعها و أزقتها، تعدّ في الأدب و الفن و الحياة فضاءً مفتوحا تغلفه الأسرار إلى جانب الوضوح و العلانية. لقد كانت المدينة منطلقاً للعديد من الأقلام الكويتية، فهي الحاضن الأساس للإنسان في خضم التطور الاقتصادي الحاصل في منطقة الخليج، و شكّلت نقطة انتعاش للمخيلة الشعرية، بما يحمله هذا المكان من انفتاح على كافة شرائح المجتمع، كما شكلت المدينة مقرّاً خصباً للتلاقح الاجتماعي بين مختلف فئات المجتمع، التاجر بالعامل، الغني بالفقير، جميعهم يلتقون تحت ظلال المدينة، سواء  أكانت المدينة القديمة، أم المدينة الحديثة.

       لقد استأثرت المدينة القديمة بقلمين من الأقلام الكويتية، و هما فوزية شويش السالم، ففي روايتيها "الشمس مذبوحة و الليل محبوس" و "النواخذة" و عبد اللطيف خضر الخضر، في روايتيه "أحلام في مهب الريح" و "و جنحت الشمس إلى المغيب"، برغم التباين في الطرح للمدينة القديمة، حيث نجد المدينة بصخبها و ضجيجها محطّات عبور يمرّ بها روائيو الكويت، فالأزقة ضيقة و الأسواق مليئة بالباعة و المشترين، و الصخب الآدمي يضج به المكان. لقد كانت محطّ سعدٍ بالنسبة لـوضحة في رواية "الشمس مذبوحة و الليل محبوس":

( أمد الخطى، أهرول.. كل شيء حولي يسير.. الناسُ، أشكالٌ أجناس.. باعة، مشترون.. جالسون، واقفون، أصوات تتنادى.. تغني للتمر، تغني للشعير)[47]

حيث تتأمل الطرقات، و الأزقة، و النساء يَسِرْنَ لقضاء حوائجهن، و الكد على أنفسهن إنْ دعَتْ الحاجة، تنظر (وضحة) إلى تلك الطرقات، بعين الشغوف، الذي يأمل أن تطأ قدمه هذه الحياة المليئة بالصخب :

( ـ يمه ليش كل هالناس يمشون؟

ـ يقضون حوائجهم.

ـ كل يوم.. كل يوم جذي! كل يوم يطلعون ؟ كل يوم هالكثر؟ ؟

ـ  أيه يابنيتي.. تِحسبين اليوم طلعوا معاكِ بس.

ـ يمه ليش الحريم ما يطلعون؟

ـ الفقيرة تطلع، تشوف رزقها، الأغنيا ما يطلعون.

ـ يا ليتني فقيرة.. )[48]

فالمدينة تمرّ في حضرة الغياب طيفاً بارقاً أمام ناظريها، و العيشة داخل البيوت المغلقة، حرمت المرأة من النظر إلى ما يدور حولها في المدينة من حياة، بينما نلحظ الحضور الوصفي للمدينة بِقِدَمِها بين يدي عبد اللطيف خضر الخضر في شبه وصف تزييني، فهو يرسم المدينة ببيوتها و حواريها، و ما تضمه من أروقة، و ممرات في شبه رسم كلي للفضاء المكاني لمدينة الكويت مرة،  و لجزيرة فيلكا مرة أخرى.

       لقد حضرت المدينة القديمة بجزئيات متفرقة في روايات فوزية شويش السالم، و ذلك استكمالاً للخط  الدرامي المُطوّر للأحداث. و في روايات عبد اللطيف خضر الخضر، نلحظ الرسم الكلي الذي يخرج من إطار النص إلى إطارٍ توثيقي.

       أمّا المدينة الحديثة، فكان تحرّك الكاتب إسماعيل فهد إسماعيل في فضائها  بصورة بارزة من خلال سباعيته، بما يشبه الرصد الواقعي، و كأنه يريد أن يثبت الأمكنة كشهود حدث، لا غنى له عنهم، فيرصد مدينة الكويت على اتساعها بشوارعها، و مناطقها، بحركة الشخصيات، و كذلك تُقََدم الأحداث في مختلف شوارعها، و مدنها، مما جعل من نصه طوبوغرافيا للعمل المقاوم في تلك الفترة، و حركته في كافة أرجاء الكويت، بينما نجد المدينة الحديثة، تحضر كرمز في رواية "مساحات الصمت" للكاتب حمد الحمد، حيث يرمز إليها بالجمهورية العربستانية، و كأنها إشارة إلى العالم العربي، بما يمارس فيه من القمع، و القهر للحريات، فهو يصوّر المدن بصمتها المفروض حولها قهراً، و إنْ كان الصمت يبدو إرادياً، و لكن التنصت المستمر حدا بالمدينة أن تجعل من الصمت عنواناً لها، بعد أنْ أعيت أهلها الحيلة في طلب الشكوى.

       لقد برزت هذه الأمكنة الثلاث المفتوحة في العمل الروائي، و إن بصورة متفاوتة في مساحة الإعلان عنها، فالبحر شكل ثلثي المكان الروائي في نص "النواخذة"  لفوزية شويش السالم، بينما نجد في نصها الآخر "الشمس مذبوحة  و الليل محبوس" يحضر كحشرجات مخنوقة، كحالة شخصيتها (وضحة) التي تخنقها الجدران الأربع، بينما نرى الصحراء تحضر في نص "النواخذة" بتجسيدها الوصفي الرائق.

ب) الأماكن المغلقة.

       دارت في أماكن العيش، و السكن الذي يأوي الإنسان العديد من النصوص الروائية الكويتية، و إن بمستويات مختلفة، فمن معتمد على المكان المغلق كوسام

يرتديه في مجمل نصوصه[49]، و من مقتنص له اقتناصاً بحسب حاجة الحدث له[50].          

       لقد كان المكان المغلق الأساس في النصوص الروائية،هو البيت الكويتي، سواء أكان القديم أو الحديث، فانطلاق مختلف الكُتّاب كان المكان الطبيعي لنواة المجتمع ألا وهي الأسرة، و كان جامعها هو البيت، و من ثم تنوّعت لدى كتّاب آخرين الأماكن المغلقة الموظفة في النص، و ذلك بحسب الحاجة إليها، فمن اعتماد على أماكن العمل كمرتكز للأحداث[51]،  ومن متنقل بين العديد من الأماكن المغلقة[52]، و سوف أقف عند ثلاثة أماكن مغلقة رئيسة، دارت في فلكها العديد من الأعمال الروائية، مكانان للإقامة الاختيارية، و هما البيت الكويتي، و أماكن العمل، و مكان للإقامة الإجبارية، و هو السجن.

* البيت الكويتي.

       مَثَّل البيت الكويتي المكان الاختياري و المغلق الأول، الذي تدور فيه مجمل أحداث و شخوص النصوص الإبداعية، سواء أكانت روائية أم  قصصية،  فـ( المكان الاختياري هو المكان الذي يحمل صفة الألفة، وانبعاث الدفء العاطفي، و يسعى لإبراز الحماية و الطمأنينة في فضائه )[53]، فالإنسان يعيش فيه بالإرادة و الاختيار، و يحن إليه في ترحاله، و يعود إليه بعد عناء يوم شاق للراحة و السكينة، فكما يقول غاستون باشلار ( البيت هو كوننا في العالم، إنّه كما قيل مراراً، كوننا الأول، كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى)[54].

       توزعت النصوص الروائية بين رسم البيت الكويتي القديم، و ما يحويه من مرافق و حجرات تتلاءم مع الأسرة الممتدة، التي هي خليط متنوع من شخوص بأعمار مختلفة و مستويات متنوعة، تقطن جميعها في بيت واحد إلى جانب الليوان[55]الواسع، الذي كان سمة للبيت الخليجي، حيث يجتمع نساء الأسرة للتسامر، ففي البيت الخليجي بشكل عام  و في البيت الكويتي بشكل خاص تبرز قيم الألفة، و مظاهر الحياة المتّقدة المتلائمة مع وقع الحياة، فالعلاقات الاجتماعية الوطيدة، فرضت واقع وجود الديوانيات[56]، حيث يلتقي الرجال في مجالس رجالية بصورة شبه يومية، يتناقلون فيها الأخبار، و يتشاورون في قضاياهم المتنوعة[57]، بينما تتعدد الحجرات لتحوي زوجات رب الأسرة، كما في رواية "الشمس مذبوحة و الليل محبوس"، و غرفة لأم الزوج و تبقى بقية الغرف للأطفال، و يسود في أرجاء هذا البيت مختلف العلاقات الأسرية من ود و ألفة، كما في علاقة (وضحة) مع ضرّاتها، بينما الخوف و الرهبة من أم الزوج،التي تخنق في جوفها كل معنى للرحمة و الحنان.

       كانت أجواء هذا المكان المغلق، ذات أثر في تسيير حياة قاطنيه بين مدٍ    و جزر، بين فرح و سعادة، كما في حالة (حبيب) مع أمه و إخوته و زوجاتهم في رواية "أحلام في مهب الريح"، و بين ألم و معاناة، كما في حالة (رجيب) مع أخوته في رواية " و جنحت الشمس إلى المغيب".

       لقد شكل هذا المكان (البيت)، البؤرة التي سلط عليها الكُتّاب ضوءهم،    و لعله كما يقول غاستون باشلار ( البيت هو واحد من أهم العوامل التي تدمج أفكار و ذكريات و أحلام الإنسانية. و مبدأ هذا الدمج و أساسه هما أحلام اليقظة)[58]، فالبيت يمتلك الذاكرة، و يحفظها بين جدرانه، فما يفتأ أن يلتقي الإنسان بزاوية أو ركن من البيت حتى تعود الذاكرة، و تنتعش المخيلة، و تنشط أحلام اليقظة و كأنها واقع.

       إن البيت يمنح الاحتواء و التلاحم الاجتماعي، و بموازاته مقدارأً من  الهواجس و الآلام، التي شكّلت معاناة في حينها للإنسان الكويتي، ففي المكان ذاته (البيت) نجد الرحمة و الألفة في جانب، كما في رواية "النواخذة" حيث الرحمة بالعبدة (جنة) زوجة النوخذة الجديدة، بينما قمة القسوة و الإقصاء تمارس تجاه (هيا) ابنة النوخذة، و في حجرة يرسم الفرح معالمه، و في الأخرى تشيّد الأسوار من أجل خنق آدمية (هيا)،كل هذا في إطار واحد و في بيت واحد.

       لقد رسمت الرواية معالم البيت الكويتي القديم بشيء من الجمال، و بشيء من الصدق و الواقعية، و ذلك للنهوض بالأحداث المرغوب في تضمينها،  و تحميلها في النص.

       أمّا البيت الكويتي الحديث، فقد صاغت له هيكلية ـ و إن بصورة مقتضبةـ  الروائية خولة القزويني و الكاتب إسماعيل فهد إسماعيل، ففي رواية خولة القزويني " البيت الدافئ "، ندرك أنّ البيت الكويتي لا زال يحافظ على نظام الأسرة الممتدة، حيث تعدد الحجرات، و سكن الأبناء و زوجاتهم في منزل الأب، مما يوضح أنّ العادات و التقاليد الاجتماعية لم تندثر بشكلها الكلي، فاللقاء العائلي يجمع الأبناء بالأم بصورة حميمة، و لكن الكاتبة تنحو بالمكان نحو توتير الأحداث من خلال الشخوص المجتمعة في مكان واحد، مما يؤدي إلى نوع من التنافر، و لكن هذا التنافر ما يلبث أن يكون وئاماً حينما يشعر كل من في المنزل بأهمية وجود الآخر في حياته.

       و نجد البيت الكويتي في نص إسماعيل فهد إسماعيل "إحداثيات زمن العزلة" شكّل عاملاً جاذباً للإنسان الكويتي، لا يستطيع الخروج منه إلا للضرورة، و كما أورد غاستون باشلار قولاً لـ"ماكس بيكار" يوافق القول السابق : ( البيوت تشبه الأنابيب التي تشفط البشر في داخلها بواسطة تفريغ الهواء)[59]، كما شكّل عامل اللقاء الأسري الحاني بين العائلات و الأسر، في شبه حميمية قل نظيرها، فالأسرة بتفريعاتها و امتداداتها يحتضنها سقف واحد برغم الإمكانات المادية، إلا أنّ الحاجة إلى الأمان الذي يغلف أجواء الأسرة، كان دافعاً لأن تملأ الجوانب الفارغة في المنزل بأفراد الأسرة، و من خلال هذا الحيز الجغرافي كان انطلاق الفعل المقاوم ـ في زمن الغزو العراقي ـ، و ذلك  بجلسات المقاومين و لقاءاتهم، إلى جانب أنّ البيوت المجاورة و الفارغة من أهلها شكّلت وحدات    و ثكنات شبه عسكرية ضمت المقاومين و احتفت بهم، برغم نار الاحتلال.

       لقد كان نصه يشكل حالة استثنائية أفرزتها المأساة و الهم الأكبر، فهو عندما يعود في نصه الآخر "بعيداً إلى هنا"، و في البيت كمكان روائي، نجد حالة التهلهل الأسري، و الانحسار القوي لدور الأب و الأم، و ذلك من خلال الطفل (خالد) الذي تحوطه أرجاء البيت و هو بين يدي الخادمة، و غياب الأمان على الرغم من تواجده في مكان آمن، فمصدر الأمان غائب عنه، مما جعله يستشعر الغربة في حضورهما، فالشعور بالأمان يقترن لديه بحضور الخادمة، فالبيت ما عاد مصدر أمان إذا غابت عنه.

       و ما بين البيت القديم، و الحديث، تجاذبت الأعمال الروائية مكانها بما يلائم أحداثها و شخوصها، و بما يحقق الفكرة المستهدفة من النص.

أما البيت في رواية "ظل الشمس" لطالب الرفاعي، فهو قد رسم المكان الذي يقطنه العمّال، و أوضح جزئيات بسيطة لكنها فاعلة في بناء المكان في ذهن المتلقي، فهو يصف جدران الحجرة، و الفراش الذي ينام عليه، و حرارة الحجرة الخانقة، وتكدّس العمال في حجرات صغيرة بما يشبه العلب، هذه الجزئيات من الوصف، رسمت صورة متخيلة للواقع السكني للعمال.

* مكان العمل.

       كان للطفرة الاقتصادية دور في توجه الإنسان الكويتي إلى إعمار الأرض، و الانحسار عن خوض البحر، فباكتشاف النفط، وقيام الدولة، توجّه الإنسان إلى العمل في الشركات، و المؤسسات الحكومية، التي تؤمن لقمة عيش كريمة، بعيداً عن البحر و أهواله، و قد تنوّعت المشاريع النهضوية، فمن مشاريع عمرانية و اقتصادية إلى مشاريع تجارية و ثقافية، و في هذه المؤسسات وجد الإنسان الكويتي عمله.

       و في العمل الروائي الكويتي، نرى الحضور الجزئي لأماكن العمل، فيما عدا رواية "زمن البوح" للكاتب حمد الحمد، التي انفردت بأجواء و مكان عمل بارز،  و هو (صحيفة الشروق)، التي تضم مختلف الشخصيات و العقول، فيجد الكاتب جوّاً ملائماً لطرح أفكاره، و بث روح التلاقح الثقافي الهادئ  و الصريح و القبول بآراء الآخرين بودٍ و احترام.

       لقد كانت أرجاء الصحيفة، و ما يدور في مكاتبها بعيداً كل البُعد عن أجواء الصحيفة، سوى الشخصيات المقدَّمَة، و هي الخليط المتعدد من الجنسيات، التي تلائم الأجواء الإعلامية.

       يطرح المكان كشكل تزييني، و تكميلي ليتضح من خلاله المشهد، أمّا فيما عدا ذلك فإنّ الأجواء التي تسود فيه من الحيلة و التنصت و التدبير للآخرين، يميل بالخط الدرامي إلى مستوى رتيب.

       أمّا في رواية طالب الرفاعي "ظل الشمس" فهي تطرح مكان العمل بالنسبة للعامل الوافد، الذي يضيع في أروقة الشركات، إذا ما أراد الوظيفة، فالرتابة اليومية، و القوانين الشكلية، ترهق العامل، كما ترهق وضعه المالي، مما يحرفه إلى القيام بمشاريع فردية كالتدريس، في حالة "حلمي"، و ما يؤدي به إلى الانزلاق في علاقة خاطئة. كل هذا يجري، و مكان العمل لا يحقق للشخصية    و لو جزءاً من الأمل في الانفراج لوضعه المتأزم، يبقى الروتين كما هو،  و يبقى العامل ضائعاً في الأروقة.

* الســجن.

       يعد السجن، مكاناً مغلقاً يقطن فيه المرء مجبراً، (فالأمكنة الإجبارية معنية بالإقامة التي تبعد المرء عن العالم الخارجي، و تعزله عنه، بل و تقيّد من حريته)[60]. و جاءت ثلاث روايات تقدم السجن في السياق القائم بالنص، ففي رواية "بعيداً إلى هنا"، حضر السجن الإصلاحي الذي (يحاول القائمون على مصلحة السجون إعطاء السجناء فرصاً لمراجعة الذات، و محاسبة النفس، و التأمل في المستقبل )[61]، و لقد شكّل هذا المكان الإصلاحي، بضيق مساحته، و تكدس الشخوص المحشورة فيه، وسيلة خصبة للذكريات و الاسترجاعات المتوالية للخادمة.

       إنّ هذه المساحة الخانقة لم تكن مانعاً من إقامة علاقة و لو جزئية بين الخادمة  و خادمة أخرى من بلدها، و كأن الأوطان هي الجامع الأمثل في هذه الزوايا القاتمة[62].

       كما يظهر الحوار الصعب الذي يدور بين ضابط المخفر و بين الخادمة، فاللغة وقفت عائقاً كبيراً يمنع من التواصل الحقيقي بين الطرفين من أجل إيضاح وجهة نظر كليهما، مما أدى إلى إحساس الخادمة في خضم هذا الوضع المفاجيء إلى الخلاص، و الرغبة في الانتحار تخلّصاً من أوضاعها المؤلمة.[63]

       أمّا في الرواية الأخرى "يحدث أمس"، وظّفَ السجن كبؤرة مظلمة بين نورين، و مكاناً إجبارياً لمعتقل سياسي، و يتمظهر السجن من خلال أدواته كـ (الزنزانة، ضابط المخفر، جلسات التحقيق، كرسي التحقيق، مكتب المحقق، حرس السجن، نافذة الزنزانة اليتيمة، و جبة الغذاء ) كلها كانت أدواتٍ فاعلةٍ في رسم معالم المكان، حيث يقبع (سليمان) و صاحباه.

       لقد هيأ المكان بوضعيته المزرية و ظلمته الموحشة، مرتعاً خصباً للحوار و الصداقة و الأخوة، على الرغم من اختلاف التوجهات، كما أبرز المكان و التحقيق المتقطع حالة من الخوف و الرعب الذي يصاحب المساجين، الذين لم يمثلوا أمام محكمة أو قضاء، و أصبح الخيط الواهي الذي يخفف من انهيارهم هو قراءات صاحبهم (حاكم) لكل حالة، فيأمل كل شخص منهم أن تكون هذه القراءة حقيقة، لعلهم بهذا ينالون قسطاً من الراحة الذهنية، و لكن الاضطراب و التوتر يبقى ملازماً حتى مثولهم أمام محكمة عسكرية صورية، تمنح أحدهم الحرية، و تغيب الآخرَيْن.

       من هنا نصل إلى أنّ المكان كان اتساقاً ما بين حضور تقليدي، و آخر حديث، و قد تمثّل الحضور التقليدي من خلال الوصف المكاني، الذي لا يُضفي على النص بُعْداً سوى البُعْد الشكلي و التزييني، و في جانب آخر نجد أن المكان كان عنصراً فاعلاً و مكوناً أساسياً من مكونات السرد الروائي، يسهم في تطور الأحداث، و في رسم معالم الشخوص، و إبراز خصائصها النفسية الملائمة له، مما يجعله يخرج من حيزيته الجامدة إلى شخصانيته المتحركة و المشاركة في الفعل الروائي. 

 


[1]صلاح صالح/دراسة المكان الصحراوي في(فسادالأمكنة)/مجلة فصول/الهيئة المصرية العامة للكتاب/م12/ع3/خريف1993م/ص313.

[2]حسن بحراوي/بنية الشكل الروائي/ ص27.

[3]غاستون باشلار/جماليات المكان/مقدمة المترجم غالب هلسا/المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر والتوزيع(بيروت)/ط5 (2000م)/ص5

[4]حسن بحراوي/بنية الشكل الروائي/ص27.

[5]ابن منظور/لسان العرب/مادة(حوز).

[6]المصدر نفسه/مادة(كون)/ج13/364.

[7]د.حميد لحميداني/بنية النص السردي(من منظور النقد الأدبي)/المركز الثقافي العربي(الدار البيضاء)/ط3(2000م)/ص63.

[8]صلاح صالح/دراسة المكان الصحراوي في فساد الأمكنة/ص302.

[9]محمد السيد إسماعيل/بناء فضاء المكان في القصة العربية القصيرة/دائرة الثقافة و الإعلام (الشارقة)/ط1(2002م)/ص19.

[10]خولة القزويني/البيت الدافئ/ص15.

[11]محمد السيد إسماعيل/بناء فضاء المكان في القصة العربية القصيرة /ص19.

[12]إسماعيل فهد إسماعيل/يحدث أمس/ص7.

[13]المصدر نفسه/ص7.

[14]المصدر السابق/ص7.

[15]محمد السيد إسماعيل/بناء فضاء المكان في القصة العربية القصيرة/ص13.

[16]صبري حافظ/"مالك الحزين" الحداثة و التجسيد المكاني للرؤية الروائية/مجلة مفصول/الهيئة المصرية العامة للكتاب(القاهرة)/م4/ع4/سبتمبر1984م/ص169.

[17]حسن بحراوي/بنية الشكل الروائي/ص31.

[18]المرجع نفسه/ص44.

[19]" مالك الحزين"الحداثة و التجسيد المكاني للرؤية الروائية/ص171.

[20]مصطفى التواتي/دراسة في روايات نجيب محفوظ الذهنية/ص107.

[21]فوزية شويش السالم/النواخذة/المقدمة بقلم : إدوار الخراط/ص8.

[22]د.ماجدة حمود/رحلة في جماليات رواية أمريكا اللاتينية/اتحاد الكتاب العرب(دمشق)/2007م)/ص134.

[23]فهد حسين /بحث بعنوان:المدينة في الرواية الخليجية النسوية/ملتقى شاهندة للإبداع الروائي(عجمان)/(2008م)/ص12.

[24]بيرسي لوبوك/صنعة الرواية /ص125.

[25]مجموعة من المؤلفين/الفضاء الروائي/ تر:عبدالرحيم حُزَل / أفريقيا الشرق(بيروت) /2002م /ص75.

[26]د.ماجدة حمود/رحلة في جماليات رواية أمريكا اللاتينية/ص139.

[27]صبري حافظ/"مالك الحزين"الحداثة و التجسيد المكاني للرؤية الروائية/ص160.

[28]مجموعة من المؤلفين/الفضاء الروائي/ص81.

[29]د.عبدالحميد المحادين/جدلية المكان و الزمان و الإنسان في الرواية الخليجية/المؤسسة العربية للدراسات و النشر(بيروت)/ ط1(2001م) /ص24.

[30]د.حسن مدن/مقال بعنوان:الرواية حين تكتب التاريخ/ جريدة الخليج/ ع10588/15مايو2008م/ص32.

[31]انظر"الحواجز السوداء" لليلى العثمان، و ليالي الجمر لحمد الحمد، و غيرها من القصص التي أسهمت في رسم المكان الواقعي بصورة واضحة.

[32]انظر روايات"أحلام في مهب الريح"و"و جنحت الشمس إلى المغيب" للكاتب عبد اللطيف خضر الخضر.

[33]محمد عزّام/شعرية الخطاب السردي/ص71.

[34]مجموعة من المؤلفين/الفضاء الروائي/ص.75.

[35]المرجع نفسه/ص46.

[36]المرجع السابق/ص46.

[37]مجموعة من المؤلفين/الفضاء الروائي/ص32.

[38]المرجع السابق /ص37.

[39]حمد الحمد/ مساحات الصمت/ص5.

[40]المصدر السابق/ص10.

[41]سهيلا محسني/آثار خولة القزويني/ف5/ص11.

[42]د.شاكر عبد الحميد/ الحلم و الرمز و الأسطورة/ الهيئة المصرية العامة للكتاب(القاهرة)/1998م/ص291.

[43]فهد حسين/المكان في الرواية البحرينية/فراديس للنشر و التوزيع( البحرين)/ط1(2003م)/ص87.

[44]فوزية شويش السالم/النواخذة/ص21.

[45]المصدر نفسه/ص228.

[46]المصدر السابق/ص28

[47]فوزية شويش السالم/ النواخذة/ص88

[48]المصدر السابق/ص89

[49]انظر روايات خولة القزويني، التي تركز فيها على حركة شخوصها و تعاملاتهم و تفاعلاتهم مع محيطهم الأسري،مما يتطلب وجود المكان المغلق، كالمنزل، الجامعة، المسجد، قاعة المحاضرات.

[50]انظر رواية"يحدث أمس"لإسماعيل فهد إسماعيل، حيث وظف السجن كمكان للحدث بصورة فنية دقيقة.

[51]انظر رواية حمد الحمد "زمن البوح"، و فيها اعتمد على مقر الصحيفة كمكان تدور فيه غالبية الأحداث.

[52]انظر رواية طالب الرفاعي"ظل الشمس"، و فيها تتنوع الأماكن المغلقة، و منها : الطائرة، المنزل، سكن العمّال، الشركة، الغرفة.

[53]فهد حسين / المكان في الرواية البحرينية /ص169.

[54]غاستون باشلار/جماليات المكان /ص36.

[55]الليوان هو الفناء الواسع، ويقع في صدرالمنزل، و الكلمة فارسية بمعنى الإيوان.

[56]الديوانية هي غرفة من غرف المنزل، تكون مجلساً خاصاً بالرجال، يلتقون فيه للمسامرة و مناقشة مختلف القضايا و المشاكل، وهو يوازي المجلس في الدول الخليجية، و غرفة الضيوف لدى الدول العربية.

[57]انظر رواية عبد اللطيف خضر الخضر/أحلام في مهب الريح /ص94.

[58]غاستون باشلار/جماليات المكان / ص38.

[59]غاستون باشلار/جماليات المكان /ص53.

[60]فهد حسين/المكان في الرواية البحرينية /ص209.

[61]المرجع نفسه/ص213.

[62]انظر رواية بعيداً إلى هنا لإسماعيل فهد إسماعيل / ص63.

[63]المصدر نفسه /ص130

طباعة
أرسل لصديق
حفظ المقال
برامج التواصل الاجتماعي المتجددة والمتطورة ساهمت في إضعاف العلاقات الاجتماعية لا تقويتها.
 
أرسل تعليقك: ما هو عنوان الكتاب الذي قرأته لأكثر من مرة؟
 
قرأت لك: كتاب (قواعد العشق الأربعون) جلال الدين الرومي
 
أدب وأدباء: الشاعر محمد مهدي الجواهري
 
رومانسيــات: مـلـحـمـة عـشـــق
 
البيت السعيد: المرأة الحديدية من هي؟ الذوبان في الرجل- قوة الجذب والدفع
 
مقالة للأديبة بجريدة الراي: الـقدوة
 
مقالة للأديبة بجريدة الراي: ثقافة الوحدة في الإسلام
 
 
Hardtask