4735782
 
عندما يفكر الرجل! _ حسن الأمراني
الكاتب :حسن الأمراني
عدد مرات القراءة:3755
 

دراسة نقدية

عندما يفكر الرجل !

بقلم : حسن الأمراني
(رئيس تحرير مجلة المشكاة + رئيس مكتب رابطة الأدب الإسلامي في تونس)

(هي..تجيد الفروسية، لكن لا فرس لها. تخاف القنص ورحلات الصيد.. لا تعرف معنى الرصاص.. تسمع صوت الطلقات وبكل غباء تظنها غناء.. تجرحها الأغلال فلا تصرخ.. في قلبها تبكي بكاء الأطفال)

هل هناك أدب نسائي؟ سؤال قد يستفز بعض الناس ويقول: ما هذه البدعة الجديدة؟ أو كلما شرع الغرب بابا ولجناه، حتى لو دخل جحر ضب لدخلناه؟

لم يعرف تاريخنا الأدبي وصفا كهذا، ولا يعني هذا غياب صوت المرأة الأدبي، بل لقد كان حاضرا، وكان حضوره قويا في بعض العصور، وليست مشاركة المرأة الأدبية أمرا طارئا على حضارتنا العربية والإسلامية، إذ تمتد إلى العصر الجاهلي، وكانت تلك المشاركة في صدر الإسلام فاعلة مؤثرة، إذ كانت تشارك في المعارك، وتلهب العواطف وتؤجج الوجدان، ولم تكن المرأة بكاءة فحسب، وما أمر قتيلة بنت الحارث وهند بنت عتبة وصفية بنت عبد المطلب (رضي الله عنها) ببعيد، واستمر ذلك الوجود الأدبي عبر العصور، لذلك لم نكن بحاجة إلى ابتداع مثل تلك التسمية، مثلما هو شأن الغربيين الذين لا يعرف عنهم في العصور الغابرة مشاركة نسوية أدبية تذكر.

على أنه – وقد صار الحديث عن الأدب النسوي أمرا مألوفا- لا بد من التساؤل عن طبيعة ذلك الأدب وخصائصه، فهل نعتبر كل أدب صادر عن المرأة أدبا نسائيا، أم أنه لا بد من البحث عن مجموعة من الخصائص المشتركة والمحددة لتصح التسمية؟ والحال أننا في كثير من الأحيان لا نستطيع التمييز بين هذا وذاك، ما لم يحمل النتاج توقيع صاحبه، إذ كثيرا ما تكون الهموم مشتركة، وطريقة المعالجة موحدة، إلا حين يتعلق الأمر بالتفرد الأدبي الذي يميز كل أديب عن غيره، بل قد يحدث أحيانا أن يعبر أديب ما عن قضية الجنس الآخر بطريقة موفقة جدا، حتى كأنه يتقمص شخصيته، ألم يقل العقاد يوما وقد قرأ شعر نزار: هذا شعر امرأة؟

قد تكون تلك التسمية كنودا، إذا هي تعمل على ترسيخ هذا الفصل بين الجنسين في كل شيء، والحال أن العواطف البشرية مشتركة، ولا يجوز الفصل فيها بين الذكر والأنثى.

إنه لا يعنيني الآن  الإجابة عن كل ما يثيره هذا الموضوع الحساس من تساؤلات، وإنما هي خواطر عرضت لي وأنا أقرأ رواية عنوانها : (( عندما يفكر الرجل )) للأديبة خولة القزويني.

حين وقع بصري للوهلة الأولى على العنوان، ولم أكن قد قرأت من قبل لخولة شيئا (وقد وقع بيدي فيما بعد بعض أعمالها القصصية والروائية الأخرى) سارعت إلى تصنيفها في زمرة نوال السعداوي، ذلك بأن العنوان كان مثيرا، وقد عودتنا نوال السعداوي ومن على شاكلتها على أن نتصور العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة صراع ونفور، وهو تصور صارت تثور عليه بعض الأديبات العربيات من مختلف الأقطار.

وقد كشف بعضهن عن خطأ هذه النظرية المريبة، بتأكيد الجوهر الإنساني، حتى كتبت تقول :

" أقف في صف الرجل مدافعة عن حقه في البكاء لأنه يبقى إنسانا، فالبكاء لا يقتصر على جنس دون آخر".

ولقد تبين لي، حين قرأت الصفحات الأولى من رواية (عندما يفكر الرجل)، أنني أخطأت حين تعجلت في الحكم، واكتشفت أنني أمام كاتبة متفردة، لا تستعير صوتها من أحد، وأنها بعملها الروائي هذا تسعى إلى تجاوز همومها الصغيرة، ومعانقة هموم أمتها وقضاياها.. بل هي تعلن عن موقفها من الرجل منذ مقدمة الرواية التي لا تتجاوز صفحة واحدة:

" لن يجتمع في قلب الرجل حبان: فإما (الأنا) وإما (الآخرون) ".

وأقزام (الأنا) كثر في هذه الحياة، سيان وجودهم وعدمه، فهم رماد على الأرض لا نميزهم عن التراب..

وعمالقة العالم نجوم متلألئة في سماء الآخرين، نهتدي بنورهم إلى طريق الخلاص.

تنتمي رواية خولة هذه إلى التيار الواقعي، إلا أنها واقعية متميزة، إن أحداثها تجري في فترة عربية محددة، في أواسط سنوات الثمانينيات نعرف ذلك من خلال مراسلة مؤرخة، يبعث بها الشاعر علي عبد الغفور، أحد شخوص الرواية، إلى بطل الرواية محمد، فهي مؤرخة في 7 يناير 1985، وتعالج الرواية الأوضاع المتردية للأمة العربية، من خلال تجلياتها المأساوية في لبنان وفلسطين..

وأسلوب الرواية السردي يجمع بين الخيال الواقعي من جهة، مما يتطلبه كل عمل روائي، وبين التوثيق التاريخي من جهة أخرى، كما أن الصراع ليس صراعا بين أشخاص، بقدر ما هو صراع بين قيم متنافرة، قيم منبعثة من هويتنا الحضارية الثابتة التي تتخذ الإسلام مرجعا، وأخرى منبتة تسعى إلى جعل الغرب مثلا يحتذى في حلو الأمور ومرها وخيرها وشرها، إن هذه الثنائية هي التي طبعت الرواية بطابع المزاوجة بين الأسلوب الشاعري المجنح، والأسلوب التسجيلي التقريري المباشر.

إن الكاتبة أحيانا، حتى وهي تضع حوارا متخيلا على لسان أبطالها، تظل وفية للواقع الذي حولها، تنصت إليه وتستقي منه، ولعل الحوار التالي بين محمد وزوجه يكشف عن بعض ذلك:

" هتفت بحنان:

* محمد، ما بك يا حبيبي تبدو حزينا؟

حاول أن يتمالك ليبدو ضاحكا أمامها:

* تذكرت أمرا.

وتضرب براحة كفها كتفه هامسة:

* لعله موضوع الأطروحة؟

ويومئ بالإيجاب، بينما تمضي في حديثها:

* أتدري أن موضوع الأطروحة (فلسطين) سيهز العالم؟

* أنت تبالغين..

وثبت وثبة سريعة كالقطة على الكنبة قائلة:

* توقعاتي تصح دائما.

* لأني زوجك تظنين أن العالم ينظر لي عين نظرتك..

هزت كتفها في غرور محبب:

* يكفيني فخرا أنك زوجي وحبيبي.

تقدم له الشاي ثم تجلس أمامه:

* موضوع القدس أظن أنه له مصادر ثرية.

يوافقها الرأي.

* هذا صحيح لكنني سأعرض القضية من زاوية جديدة.

* كيف؟

* (فلسطين) مدينة هجرها شعبها وتفرقوا في الأمم بحثا عن الاستقرار المادي والرخاء المعيشي، وعندما وطد الشعب لنفسه كيانا في أوطان أخرى متفرقة نسي فلسطين وجعلها قصة مأساوية يرددها في كل المناسبات، قتلها أهلها لأنهم مكنوا الأعداء من أنفسهم، الآن أصبحت المقاومة منظمات متناحرة وأحزابا متقاتلة يرددون من خلال هذه المنظمات عبارات جوفاء خالية من المعنى، والشعب الذي يصر على أرضه ومبدئه لا يغمض له جفن ولا تسليه بارقة أمل وردية في الخيال، بل يحمل السلاح رجالا ونساء، صغارا وشيوخا، ويشكلون مقاومة شعبية كبرى لاسترداد أرضهم، ولا يطلب من الأمم الأخرى أن تقدم لهم فلسطين على صحن من مرمر، لا بد أن تعود بسواعد أهلها، فالمقاومة المسلحة ضعيفة جدا ومحصورة النطاق قياسا إلى الكم الهائل من الشعب الفلسطيني المتكدس في هذه الأوطان.

تشرد كوثر في كلماته ثم تضيف:

* لقد أفزعني في إحدى المرات عنوان في إحدى الصحف إذ كتبوا : (فتاة فلسطين تفوز بمسابقة الجمال هذا العام). هنا قهقهت ساخرة، وكانت بجانبي مجموعة من الإنجليزيات المسلمات أخذن يسخرن بدورهن. قالت إحداهن: ( لو كنت مكانها لحرقت هذا الجسد في مقاومة إسرائيل عبر عملية فدائية.. فهذا هو الشرف الحقيقي).

طأطأت رأسي خجلا، وأنا أحدث نفسي: كيف أصبحت المرأة العربية المسلمة مثار سخرية امرأة أوروبية قاومت دنياها في سبيل عقيدة الإسلام التي اعتنقتها؟ "

(عندما يفكر الرجل: 341-342)

وهي في أحيان أخرى تميل إلى نوع من التأريخ الذي لا يعدو أن يزودنا ببعض المعلومات التي لا نشك في قيمتها، إلا أنها تتخلى مرحليا عن لحظات التوتر والتوهج الذي هو صلب العمل الروائي:

" زعماء اليهود ازدادوا حرصا على المحافظة سرية باقي مقرراتهم، وبعد ضياع البروتوكولات اهتز العالم ونشطت اليهودية العالمية بكل أجهزتها السرية والعلنية لاسترجاع النسخة المفقودة دون جدوى، ووصلت النسخة المسروقة إلى أحد زعماء روسيا الشرقية، وهو (اليكسي نيقولا فيتش) فذعر أشد الذعر لما احتوته من خطط شيطانية جهنمية لاستعباد العالم شرقه وغربه، عن طريق المال اليهودي والخلق اليهودي، فقدمها إلى صديقه العالم الروسي الكبير (سيرجي نيلوس) الذي درسها دراسة تحليلية كاملة ووافية وقارن بينها وبين أحداث العالم الجارية آنذاك، وهاله التطابق التام بينهما، فطبعها بالروسية عام 1902.

وكان من نتائج طبعها قيام حملة شعواء ضد اليهود في جميع أنحاء العالم، فقاموا بشراء كل النسخ من جميع أسواق العالم، إلا أن نسخة واحدة من الكتاب وصلت إلى المتحف البريطاني فختمها بختمه ودون عليها تاريخ الاستلام، أغسطس 1906، وكانت الطبعة الوحيدة التي قام بها الأستاذ محمد خليفة التونسي في كتاب عنونه : (الخطر اليهودي وبروتوكولات حكماء صهيون). " 360.

على أن الروائية تدرك بحسها الفني كما يحتاجه العمل الروائي من تنوع في الأسلوب، بل إن الرواية الحديثة أصبحت تتداخل فيها الأجناس الأدبية، وتستفيد من تقنيات الكتابة المسرحية، وألق الكتابة الشعرية، وقد وفقت خولة القزويني إلى ذلك إما عبر الاستفادة من شخصية الشاعر علي عبد الغفور، الذي يؤثر أن تكون رسائله إلى محمد شعرا في معظم الأحيان، وإما بطرق أخرى، وهذا ما أتاح لها أن تستضيف قارئها إلى دوحة الكتابة الشعرية:

" يستدعيه وائل إلى غرفته، وهناك يقف أمام لوحة زاهية الألوان، رسم فيها بيت المقدس وحوله أسلاك وأشواك وقنابل وخناجر.

فقال وائل : القدس تستغيث: هل من ناصر؟

حدق محمد في اللوحة طويلا، تسمر في مكانه ثم قال :

عندما انتهي من رسالة الدكتوراه سأطبع كتابي وأريد أن يحمل الغلاف تلك اللوحة " (عندما يفكر الرجل : 354.)

وتقول الكاتبة، على لسان علي عبد الغفور، الشاعر :

وعندما يمتلئ القلب الحزين ألما.

يتفجر ينبوع الإيمان..

ونفحات الصلاة الإلهية..

ويظل يراقب نجمات الليل الفضية

وهو يقبل وجه القمر النائي..

ويصرخ..

رباه..رحماك

في حراب إيماني

وعندما..يفوح القلب إيمان

كأزهار الياسمين.

في حبة البلوط..

في ربوات السماء

كأزهار الصباح..

التي تتفتح حبا..

التي تفرش ..أجنحتها.

لتستقبل حبات الندى الباردة

وهي تقبل وجه الشمس..

وتنادي: لا تتركي  جسمك المنهوك

فإن سياط الساعة لا ترحم

فتبكي الأشجار..

وتنفض ورقها..

وتبكي السماء دما..

وتجف مياه الجداول

ويرجع الهزار إلى عشه

مهدول الجبين

وترسل الشمس خيوطها ثانية..

لتحول منها حلية..

كي يلبسها فارس الأرض الجميل

على أن أهم ما يميز خولة القزويني أنها تسعى، في زمن السقوط، من خلال ريشتها الفنية، إلى بعث الهمة العربية الإسلامية، واسترجاع كبريائها المغيب، وإحياء روح الجهاد، وقد كان استشهاد محمد في سبيل مبادئه التي آمن بها وضحى من أجلها بكل ملذات الحياة الدنيا رمزا لثبات، وتأكيدا لمسيرة الجهاد التي لا تتوقف إلا إذا استرجعت الأمة حقوقها المغتصبة، ولذلك انتهت الرواية بالالتفات إلى زوجة الشهيد وهي تنتقل من حالة اليأس والقنوط إلى حالة الأمل والبشارة:

" ابتسمت بحزن وهي تتأمل بطنها الذي انتفخ، ثم لمعت في عينيها ثورة طاغية، جعلتها تهتف في إصرار:

إنهم قتلوا محمدا، لكن في الطريق ألف محمد.. ".

 

طباعة
أرسل لصديق
حفظ المقال
استفتاء: أنجح الروايات الأديبة هي تلك التي تستفز وعي المتلقي وتقرع فيه أجراس اليقظة
 
أرسل تعليقك: ما هي الرواية الأدبية التي أثرت فيك وغيرت معتقداتك؟
 
أدب وأدباء: الأديبة التركية. أليف شافاق
 
قرأت لك: كتاب قصص النساء في القرآن الكريم
 
مذكرات امرأة من كوكب الحكمة: (كذبة الحب)
 
البيت السعيد: (زوجي وغواية الجميلات- هل تفكر المرأة في السيطرة على الرجل؟ التوتر والقهوة)
 
البيت السعيد: (ما هو سر آلاء؟ قوامة الرجل سيطرة أم احتواء- حدد نوع ذكاء طفلك-أخرج من دائرتك المغلقة)
 
مقالة للأديبة بجريدة الراي: ( النظافة قيمة حضارية مفقودة)
 
 
Hardtask