محاضرة للأديبة في البحرين:
حول إساءة الغرب لرسول الله (ص) القائد الذي استثناه التاريخ.
رسول الله (ص) القائد
عادةً القادة هم من يحركون الشعوب ويقودون المجتمعات، وكلما كان القائد عظيماً، مهيباً، متمكناً، مخلصاً، رفع بالأمة نحو أفضل الكمالات الأخلاقية والفكرية والاجتماعية والسياسية وترك بصمته الواضحة على شبعه، فإن كان هذا القائد عادلاً جعل أمته تنعم بالرفاء والعدل، وإن كان شجاعاً كريماً، جعل أمته تعيش في عزّة وكرامة مرفوعة الرأس، شامخة.
وعلى العكس إن كان القائد ظالماً، طاغياً، مستبداً، حطم أمته وأسقط شعبه في الحضيض وأذاقهم البؤس والحرمان والتخلف.
فلا تترك الشعوب دون قادة، ولا تترك المجتمعات دون نظام، وهؤلاء القادة إن لم يُنتخبوا من شعوبهم يستولون على مقعد السلطة بالقوة والهيمنة ويفرضون على الأمة قوانينهم بالحديد والنار.
ومن رحمة الله عز وجل علينا أنه أرسل لنا الرسل والأنبياء في مسيرة التاريخ الإنساني كقادة ومرشدين وموجهين، يحفظون الأمم من حالة الفوضى والضياع، ويحملون إليهم نهجاً سليماً وقوانين سماوية قائمة على العدل والمساواة والحرية والكرامة.
وبدءً من نبينا آدم وبعثات النبوة تتوالى على البشر عصراً بعد عصر وحقبة بعد حقبة، والحكمة في هذا أن تتطور العقلية البشرية وتستعد لأكبر منعطف إنساني حيث ينقطع بعدها اتصال الأرض بالسماء، وحيث يكون الإسلام خاتم الأديان، قد تهيأت النفوس لاستيعاب نهجه، وتعبأت لتطبيق الشريعة.
بُعث المصطفى (ص) قائداً لمسيرتنا الإنسانية العالمية كمنطلقاً حيوياً وفاعلاً حتى يتسلم زمام القيادة الحجة (عج)، فقد جاء مبشراً ونذيراً وداعياً الناس إلى الحكمة والصلاح والرشد والكمال الأخلاقي، هو تجسيد فعلي وحقيقي للقائد الذي يأخذ أمته نحو الكمال العدل والحرية والسعادة والرفاهية.
وقائدنا ونبينا (ص) قد هيأه الله عز وجل وربّاه وأحسن تربيته وكوّن داخله مقومات الشخصية المتكاملة خُلقاً وإيماناً قائلاً فيه رب العالمين: (وإنك لعلى خلقٍ عظيم)، ليكون النموذج المثالي للشخصية الكاملة التي ينشدها الإنسان، والقائد المتكامل الصفات الذي يجذب إليه الأمة بحب وإيمان وولاء وانتماء وقناعات، إنه القائد الذي اعتبره الغرب قبل الشرق أفضل مئة شخصية عرفها الإنسان.
القائد يعني الرمز الذي يبعث في رعيته طاقة حرارية ووهج ودافعية للعمل، ويحرك دماءها الساكنة ويدلها بأمانة وصدق نحو أهدافها العليا، ولهذا كان رسول الله (ص) قائداً بحب الناس له، بالتفاف الناس حوله، بإتباعهم نهجه حباً وكرامة، إنه القائد الذي أسس دولة إسلامية قائمة على العدل والوحدة والعزة، وكوّن جيشاً وخطط استراتيجية، وأعدّ لها نظاماً اقتصادياً قائماً على أسس قرآنية، وحدد مسارها الاجتماعي والفكري، وكان مرجعاً لمشاكل أمته فلم يغلق دونه باب أو يضع بينهم حاجز، قلبه مفتوح للرعية قبل بابه، هو الحاكم العادل الذي يتحرك بحرية دون حماية أو جيش أو خوف كما يفعل فراعنة التاريخ لأنه قائداً عادلاً لم يقمع إنسان أو يظلم أحداً، أو يقهر مظلوم، أو يحرم فقير، ولهذا استولى على قلوب الناس بحبه، بحنانه، بعدله، بأخلاقه، حيث كان يجسد الأخلاق المُثلى، كان (ص) هاشاً، باشاًَ يلاطف الإخوان، ويتفقدهم في غيابهم، ويسلم على الأرامل والصبيان ويقضي حوائجهم، ويجالس خادمه على الأرض، ويمشي في الأسواق، ويسأل عن حوائجهم، ويبتسم في وجوههم، متواضعاً.
فأين سلاطين الأرض من رسول الله (ص)، هم الذين انقرضوا وتركوا على جبين البشرية العار والفضائح، بينما رسول الله تصدح آفاق العالم بذكره المعطر وتتلألأ سماوات الدجى بأنواره الساطعة، رسول الله (ص) نبينا، قائدنا، رمزنا، يجسد أشواقنا نحو الكمال، ولا نتكامل إلا عندما نلتف حول هذا الرمز ونتبع نهجه وأخلاقه ونتمثل لمشاهد سيرته العطرة.
كل القادة سيطروا على شعوبهم بالحديد والنار إلا قائدنا المصطفى (ص) استحوذ على القلوب بأخلاقه ورحمته وتكامل صفاته، هذه التضحيات، هذه الرحلة الشاقة التي قطعها المصطفى في مسيرته من أجل كمالنا ورقينا، هذه المعاناة والمكابدة، هذه الدماء النازفة التي سقت درب الرسالة، كيف أعرضنا عنها دون مبالاة فغاب أثرها في حياتنا، وانطلقت فتياتنا وشبابنا يلهثون وراء الغرب الكافر الذي أوهمنا بالحضارة، دعونا نشاهد القائد الغربي أو القيادة الغربية ما هي سماتها ونقارن.
- الفكر الشيوعي: الذي تآكل مع السنين حتى انقرض بعد أن نادى أتباعه بقيم متنافية مع واقع وحقيقة الإنسان وألغى الطبقية وأوهم الناس بالعدالة فإذا بقياداته على مر التاريخ مصاصة للدماء، قتلة، خلفوا ورائهم مجازر دموية وفقر وجوع وظلم جعل الشعب السوفيتي لفقره يتاجر بالرقيق الأبيض من الأطفال والنساء، وها هو الإمام الخميني الراحل يدعو غورباتشوف لتطبيق تجربة الإسلام.
- الثورة الفرنسية: التي نادت بالعدل والحرية والمساواة، انظروا إليهم وهم يمنعون المحجبات الفرنسيات من دخول المدارس، بالإضافة إلى احتلالهم الجزائر وتونس والمغرب العربي وقمع الشعوب ومشاهد التاريخ تفضح ممارساتهم السادية.
- التجربة الرأسمالية: التي تحمل أنانية، طاغية، جبروتية (أنا ومن بعدي الطوفان)، أنا الأول، أنا الأفضل، أنا الأقوى، الشخصية الأمريكية المتغطرسة وروح السيطرة والاستبداد على العالم وقهر الشعوب وقتل الأطفال وتشريد النساء، وهي من زرعت إسرائيل في قلب الشرق الأوسط لتنفيذ هذه المخططات والجرائم، آلاف العراقيين في سجون الأمريكان، تشريد العراقيين، الخراب الذي عم في لبنان، تجربة فيتنام، فلسطين، كلها مشاهد حيّة تثبت أن هؤلاء القادة هم جبابرة جلادين متغطرسين، ولهذا فإنهم في طور التآكل والانقراض ونحن في طور النمو والانفراج لتثبت التجربة الإسلامية مصداقيتها ومثاليتها وقدرتها على تحقيق آمال الشعوب، لهذا هم يخافون من الإسلام الذي انتشر في الغرب الآن وكان هذا الأمر يقلقهم، القرآن يخيفهم، الإسلام يرعبهم، الحجاب يقلقهم .. الإسلام هو الخطر القادم الذي ينتظر القائد المظفر الحجة (عج) ليطبق شرعته ومنهاجه، ولهذا مزقوا القرآن، وأساءوا لرسول الله (ص).
والمنظمات اليهودية والجمعيات السرية المنتشرة عبر العالم تموّل هذه الحملات الدعائية حتى تستفز مشاعر المسلمين وتعمل على الوقيعة بني الغرب والمسلمين ليقوم المسلمون بعمليات إرهابية في الغرب ويقطعوا عليهم خط الحوار الحضاري والانفتاح على الأديان كما دعا السيد الخاتمي، إذ يقول: إن الإسلام دين منفتح على الشعوب والعالم ودعا إلى الحوار مع الدين اليهودي والمسيحي، فليست المشكلة إلا بالقادة الطغاة الذين لهم مآرب سياسية قد غلفوا حملاتهم بغلاف ديني وهو في الواقع بعيداًَ عن الدين إذ لم تكن هذه رسالة النبي عيسى أو موسى عليهما السلام.
نبينا محمد صلى الله عليه وآله الرمز، هو القوة التي قاومت القهر على مر العصور، انظروا إلى ثورات التغيير عبر العالم والتي استمدت روح القائد المصطفى، ثورة الحسين، ثورة العشرين، ثورة إيران، ثورة عمر المختار، كل الثورات الناجحة استمدت القوة من الرمز القائد المصطفى (ص)، وعندما يسيئون إليه إنما يظنون أنهم بذلك أضعفوا معنويات المسلمين وكبدوهم هزائم نفسية، لكن بالرغم من كل هذا تحول المولد النبوي إلى تظاهرة عالمية تجدد العهد والميثاق، تجدد الولاء المحمدي، تجدد الحب الصادق والعزم الراسخ على المضي والجهاد في نهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فالسلام على نبينا الأكرم خاتم الأنبياء وحبيب إله العالمين، محمد رسول الله وعلى آله وصحب وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.